الخميس - 22 فيراير 2024

طريق الأمنيات

منذ 8 أشهر
الخميس - 22 فيراير 2024
1278 مشاهدة

د. صادق كاظم

لم يكتب لأرض العراق أن تعرف السلام والاستقرار، إلا لسنوات قليلة، حيث أثرت وتأثرت بكثير من الاحداث، التي مرت بها مرغمة وتعاطت معها بشكل درامي محزن. الغزاة لم ينقطعوا عن هذه الأرض، حتى بعد أن قرر الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الاولى جعل العراق دولة عصرية حديثة، بعد أن كان مجرد ولايات مستقلة ايام العثمانيين الذين كانوا اخر الغزاة المسيطرين على أرضه.

اراد أول ملك حكم العراق، وهو فيصل الأول أن يستغل هذا الثراء التاريخي والتنوع الاجتماعي المدهش، للتحول صوب مشروع صعب لصناعة أمة مميزة ومجد وازدهار اقتصادي، يهيمن ويخيم على المنطقة ليتخلص من عقدة كون العراق بلاد التماس مع الجيران المتخاصمين، لكن تواضع الامكانات وارتفاع سقف الطموحات جعلا من تحقيق ذلك أمرا صعبا، لتتعثر التجربة عند خطواتها الأولى، ليكتب لمعاناتها بأن تستمر والتي تفاقمت مع وصول نظام البعث، الذي كان الأسوأ في كل شيء من حيث ماضٍ أسود ملطخ بالدماء، وسجل مزدحم بالحروب والدمار التي انتهت بالاحتلال.

كانت الرغبة في الانخراط في المشاريع الاقتصادية العملاقة، التي أعطت نتائجها المبهرة لكل من دول الخليج أمرا مطلوبا، لكي يفك العراق عزلته السياسية والاقتصادية، وليصبح رقما مؤثرا في المعادلة السياسية في المنطقة والتماهي مع صعود القوة السعودية صوب الزعامة بضوء أخضر أمريكي وتعاون صيني وتفاهم ايراني.

طرحت على ساحات الحكومة عدة افكار ومشاريع لاستغلال موقع العراق الجغرافي لصناعة مبادرات اقتصادية تنعش قلب اقتصاد البلاد المريض بفوبيا البترول، الذي أصبح سلعة مجازفة اكثر منه سلعة مستقرة وثابتة، حيث تتنافس السياسة والمصالح في تحديد أسعاره، خصوصا أن عدد السكان في البلاد يزيد عاما بعد اخر والزراعة والصناعة، تتآكل كل يوم مع نزول اكثر من 100 الف مواطن سنويا إلى سوق العمل، الكثير منهم حملة شهادات جامعية، إذ بات البحث عن حلول اخرى تستوعب هذا الانفجار، وتحصن اقتصاد البلاد من عوادي تقلبات البترول أمرا ملحا وضروريا.

المشروع يحمل بين طياته إقامة خطوط نقل سككي وبري ومدن صناعية عملاقة وبنى تحتية متطورة وبرؤوس اموال ضخمة لم تعرفها البلاد من قبل، وستغير خارطة الواقع الجيوسياسي للعراق في المنطقة.

نجاح هذا المشروع يتطلب استقرار امنيا وسياسيا عاليا، إضافة إلى إدارة كفوءة فاعلة لمفاصل هذا المشروع، واذا ما أراد العراق أن يشجع دول المنطقة على المشاركة فيه أن يتخلص من الفساد والنزاعات المسلحة، التي تحدث بين رجال العشائر القريبة من مقتربات هذه الخطوط الناقلة للبضائع في مناطق الحنوب، والتي من الممكن أن تهددها بالتوقف وهو امر سيفوت على العراق فرصة تاريخية واقتصادية قد لا تعوض لعقود طويلة. فوائد هذا المشروع بالرغم من الاقاويل التي تشكك في جدواه كثيرة، فهو سيجعل العراق ممرا تجاريا عالميا مميزا، وحيث سيتطور صناعيا وعمرانيا وسيعمل اكثر من ربع مليون مواطن فيه، اضافة إلى الحصول على 5 مليارات دولار سنويا من عائدات النقل، والأهم من ذلك كله أنه قد يكون مقدمة لدخول وجذب استثمارات مالية ضخمة ستدخل إلى مفاصل الاقتصاد وستعيد تشكيله بصورة مغايرة.