الأحد - 03 مارس 2024

ذكرى ولادة الرسول الأكرم (ص)

منذ 5 سنوات
الأحد - 03 مارس 2024
1291 مشاهدة

 لم يکن العرب يومئذ -أيام الجاهلية- أهل کتاب ولاديانة سماوية ترفع من مستواهم الفکري والاجتماعي والحضاري، فلقد کان الجهل والاميَة والخرافة تسيطر علی الجزيرة العربية وتعبث بالعقول والمعتقدات. کان العرب يعبدون الاصنام والاوثان والجن والنجوم الملائکة، وقليل منهم کانوا علی دين إبراهيم وموسی والمسيح عليهم السلام. وعلی هذا الحال کانت الامم الاکثر حضارة وتقدما منهم، وهم اليهود والنصاری المجوس، کانوا ايضا يعيشون تحت کابوس حياة الجاهلية وضلال وانحراف عقائدي وظلم سياسي ويخضعون لتسلَط الطواغيت. کانت تحيط بالعرب ثلاث دول کبری، هي دولة الروم في المغرب ودولة الفرس في المشرق ودولة الاحباش في الجنوب، وهي قوی سياسية وحضارية كبيرة في تلك الايام. بينما لم يکن العرب في مکَة وما حولها، يعرفون مفهوم الدولة فلقد کانوا يعيشون سلطة القبلية وتسلَط الاسياد الاقوياء علی الفقراء والعبيد.

 في ذلك الظلام الاجتماعي کانت المرأة تعاني حياة البؤس والشقاء، فلا حقوق لها ولاکرامة، لانها في عرف المجتمع الجاهلي في ملك الرجل، تورث کما تورث الحيوانات والممتلکات، فقد کان الابناء يرثون زوجات الآباء ويتزوجونهنَ. وکان أحدهم إذا ولدت امرأته بنتا، سيطر عليه الهَم والحزن وشعر بالخوف من العار وسوء السمعة ولجأ الی قتلها أو دفنها حية او تقبَلها علی مضض واحتقار وکراهية. وعندما نعرف هذه الحقائق نستطيع أن نفهم الاسلام وعظمة نبيَ الاسلام صلی الله عليه وآله وسلم الذي استطاع بمشيئة الله تعالی ان ينقذ البشرية ويضعها علی طريق الحياة الحضارية السامية، والاستقامة السلوکية الرشيدة.وقد وصف الله سبحانه وتعالی رسالة نبيه الاکرم (صلى الله عليه وآله) بقوله:

(قد جاءکم من الله نور وکتاب مبين*يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الی النور باذنه ويهديهم الی صراط مستقيم) المائدة 16/15.

 ففي السابع عشر من ربيع الاول عام الفيل ولد المصطفی (صلى الله عليه وآله) في مکة المکرمة، وشاء الله تعالی ان يولد يتيما، فقد توفي أبوه عبد الله بن عبد المطلب في طريق عودته من تجارة الشام وهو لايزال في رحم أمه آمنة بنت وهب. وعلی عادة أهل مکة أرسل محمد (صلى الله عليه وآله) مع حليمة بنت ابي ذؤيب السعدية الی البادية لرضاعته وقد لقيت حليمة من رضيعها محمد (صلى الله عليه وآله) الخير الکثير. وعندما بلغ المصطفی (صلى الله عليه وآله) الخامسة من عمره عادت به حليمة السعدية الی مکة، حيث وجد في جده عبد المطلب خير راع إذ وفر له کل ما يتطلب من حنان فياض وعطف أبوي غامر فکان يشدد علی العناية به أکثر من عامة اهله وبنيه.

وتوفيت أمه حين بلغ السادسة من عمره الشريف وشاء الله ان تختطف يد المنون الجد الحنون عبد المطلب فيتوفی والمصطفی في السنة الثامنة. فتولی رعايته عمَه ابو طالب -ورد ان عبد المطلب هو الذي اختار ابا طالب لکفالة النبي (صلى الله عليه وآله)- رغم انه لم يکن اکبر اولاده ولا أکثرهم مالا ولکنه کان شقيق عبد الله لامه وابيه الذي عامله بالحب والعطف والرعاية الابوية الفائقة بشکل لم يحظ به احد من ابنائه قط، حيث بقيه مع عمه الی حين زواجه من خديجة الکبری سلام الله عليها. وبعث صلی الله عليه واله وسلم وهو في الاربعين واخذ يدعو الی الله وهو علی بصيرة من امره ويجمع الاتباع والانصار من المؤمين السابقين. وبعد مضي ثلاث أو خمس سنوات من بداية الدعوة الی الله امره الله تعالی بانذار عشيرته الاقربين ثم أمره أن يصدع بالرسالة ويدعو الی الاسلام علانية ليدخل من احب الاسلام في سلك المسلمين والمؤمنين. ومن ذلك الحين اخذت قريش تزرع الموانع امام حرکة الرسو الاکرم (صلى الله عليه وآله) وتحاول ان تمنع انتشار الرسالة وعمل النبي (صلى الله عليه وآله) الی فتح نافذة جديدة للدعوة خارج مکة فارسل عدة مجاميع من المسلمين الی الحبشة بعد ان حظوا باستقبال ملکها (النجاشي) وترحيبه بقدومهم فاستقروا فيها بقيادة جعفر بن ابي طالب ولم يترکها الا في السنة السابعة بعد الهجرة النبوية الشريفة.

ولما لم تفلح قريش في تأليب النجاشي علی المسلمين، بدأت بخطة جديدة تمثلت في فرض الحصار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والذي استمر لمدة ثلاث سنوات فلما يأست من إخضاع الرسول (صلى الله عليه وآله) وعشيرته وابي طالب وسائر بني هاشم لاغراضها فکت الحصار ولکن النبي (صلى الله عليه وآله) وعشيرته بعد أن خرجوا من الحصار منتصرين امتحنوا بوفاة ابي طالب وخديجة -سلام الله عليهما- في السنة العاشرة من البعثة وکان وقع الحادثين ثقيلا جدا جدا، علی النبي (صلى الله عليه وآله) وأدمت قلبه الشريف وخيم عليه الحزن الشديد، لانه فقد بذلك اقوی ناصرين في عام واحد.

وفي أوج هذا الحزن والضغط النفسي علی النبي (صلى الله عليه وآله) جاءت نفحة ربانية خاصة لتعطي للرسول الاکرم صلی الله عليه وآله وسلم زخما جديدا وتنفيسا عن آلامه وشفاءا لجروح قلبه الکبير…ففتح الله تعالی له آفاق المستقبل بما أراه من آياته الکبری..وتحققت حادثة الاسراء والمعراج العظيمة.. فکانت برکات المعراج عظيمة للرسول المصطفی (صلى الله عليه وآله) وللمؤمنين جميعا. وهاجر الرسول الاکرم صلی الله عليه واله وسلم الی الطائف ليبحث عن قاعدة جديدة ولکنه لم يکسب فتحا جديدا من هذه البلد المجاورة لمکة فرجع بدون ان يحقق اية اهداف تذکر. ثم هاجر الی يثرب بعد توفير المقدمات فامر عليا عليه السلام بالمبيت في فراشه وهاجر هو الی يثرب بکل حيطة وحذر فوصل (قبا) في غرة ربيع الاول واصبحت هجرته المبارکة مبدأ للتاريخ الاسلامي بأمر منه صلی الله عليه وآله وسلم. وأسس النبي الاکرم (صلى الله عليه وآله) أول دولة اسلامية، ولقد واجهت هذه الدولة الفتية وکذا الدعوة الاسلامية مواجهة شرسة من جانب قريش التي عزمت علی اکتساح الدولة والدعوة الاسلاميتين فشنت الحرب بعد الحرب علی المسلمين ولكن كان لابد للنبي الاکرم (صلى الله عليه وآله) والمسلمين من الدفاع. وشاء الله تعالى ان يقام الاسلام بدعوة الرسول محمد صلی الله عليه واله وسلم وسيف علي بن ابي طالب وحمزة عم الرسول خاصة، وسيوف المسلمين الاوفياء بشکل عام .. فسلام علی أعظم هاد وأجل مرب عرفته الارض والسماء…

غير مصنف