‏ المدرسة مغلقة بأمر الشعب ! أيُّ شعبٍ هذا ؟

محمد الياسري

قبل سنوات كان استاذي في الحديث النبوي الدكتور خميس الدليمي ، وكان له برنامج (دين ودنيا) على تلفزيون العراق ، القناة الأولى ، والجيل هذا لايعرف معنى القناة الأولى فقد كانت للعراق قناتان ، وللقناتين أوقات محددة جدا ، ثم أصبحت هناك ثالثة تدعى الشباب ، سألني د.خميس الدليمي : من أين ؟

اجبته : من ذي قار.

تعجب وولول وقال : يقولون ان الناصرية مدينة الثقافة والشعر والغناء والحب والسلام ولاتوجد مقهى الا مملوءة شعراء وضحك وقال : يقولون حتى القهوجي شاعر ، ثم اردف هل هذا صحيح ؟

أ تدري يا استاذي ان المعلم في ذي قار مهان !

أ تدري يا أستاذ ان الثقافة أصبحت السب والشتيمة !

أ تدري يا استاذي ان ذي قار تحارب فساد الدولة وتعطي الشهداء لكنها تفسد وتستبد وتتهجم على المدارس وتغلقها ؟

اتعلم ان جدرانا اليوم ملطخة بسخام حريق الإطارات ، وان كتابنا اليوم تحت ظل السب والشتيمة .

كل شيء رائع باسواق ذي قار ، الناصرية ، سوق الشيوخ ، الشطرة ، الغراف ، النصر ، الرفاعي ، الفجر، البطحاء، الجبايش كل شيء طبيعي ، السوق مزدحمة بالباعة ، والدكاكين مملوءة بالاطايب ، الا الثقافة فهي مهانة ومبتذلة ، لا احد يحسن القراءة ، لم يعد المنشور مقروءا ولا المعلم يعرف قيمة نفسه حتى … لانه ضاع في زحمه تلك الصيحات لتسقط المدارس وليسقط العلم ولتحرق كل مدرسة تفتح أبوابها للعلم .

ستجد شعارا لماذا ادرس اذا لم اتعين ؟ وكأن العلم محلة خضار او فواكة او بزاز او صفار ، وكأنه لم يفهم في درس القراءة قصة الجاحظ ، أو الاصمعي ، ويستهزيء به الخضّار لماذا يدرس ؟ صار العلم باقة عمل وليس معرفة ، عندما اهين المعلم وصار بمرتبة الدون لا الأعلى ، صارت تلك اليد التي تمسك بيد الطفل الذي لايعرف غير الشخبطة ويحولها الى كلمات ثم أفكار تصاغ الى كلمات ، صارت هذه اليد مغلولة ، عندما يتهجم عليها جاهل ، ويفرض نفسه على المتعلم .

يتظاهر من اجل ماذا ؟ وظيفة ويسلب الطفل قلمه ، رحلته ، كتابه ، كل شيء مسلوب فيك ياوطني ، حتى الذي يظهر لنصرتك يسلبك ، ويستبد ،وما هذا الاستبداد وماهذه النعمة حين يسلب ولدك حريتك ، حرية الطفولة ، حرية العلم .

ليس الجاهل فقط ، هو من يغلق المدرسة ، انما الخنوع الذي فيه المجتمع ، والجبن الذي عاش فيه ، نحن جبناء حين نسكت ، وجبناء حين نتكلم ، وجبناء حين لانجد من نتحدث اليه ، وجبناء حين نجد من نتحدث اليه ونجده جبانا يخضع لخوف الجمع ، نعم جبناء حين نجد ان عاطفتنا تنقاد للجهلة لانهم أولادنا وجبناء حين نخاف عليهم ونتركهم يتصرفون ويحرقون انفسهم ويغرقون ، لاشيء في هذا المجتمع اراه الا مساطحات وأقوال بعضهم لبعض ( بيني وبينك ) هكذا حتى الحديث خانات وعار ، وخوف ، وشتيمة ، وجهل ، خانات في كل خانة رزمة من المحتالين لايرون الا القوة ويعيبون الأقوى ، الجميع يصرخون لانريد الاستبداد والجميع مستبدون ، الجميع لانريد الخنوع والجميع خانعون ، لاتقل انا وتفرد نفسك أيها العراقي ، بل قل لنفسك عندما تتخذ قرارا مهما كان : كم كنت مترددا او خائفاً !؟

اليوم عندما اقف امام وجه أي شخص وأقول له جبان سيصرخ ويشتم ويضرب ويقتل ، لانني ضعيف ، لكن عندما يقول له الأقوى جبان يعترف بذلك ويشكر ويقبل يده ، مجتمع عندما تغلق فيه المدارس وتجلس الأطفال في البيوت مجتمعا جبانا ، ومهما شتم هذا المجتمع فانه لايعرف انه الذي يشتم هو الجبان فالشجاع لايشتم ابدا ، فلم يكن نبينا الكريم سبابا وهذا اعلى مثل نقتدي به ولنا في رسول الله اسوة حسنة ، تركناها خلف اظهرنا واتخذنا سنن الادعياء الذين لايجيدون غير الشتيمة.

يفتخر المجتمع العراقي بما يحصل على شهادة ، ولاسيما الإباء يفتخرون بما يحصل أولادهم من شهادات علمية ، ولاسيما الطب ، الهندسة ، التعليم ، ثم المعاهد ، ولايوجد أي شخص على الاطلاق لايتمنى ان تكون له شهادة علمية جامعية او اقل منها ، والجميع ينتظر امر الجاهل : هل تفتح المدارس ؟

لاخير بامة لاتتكلم وتخاف من جاهل؟ ولا خير بثورة تستبد بالناس وتسلب حريتهم! ولا خير بمظاهرات سالبة لحقوق الأطفال من اجل مطالبهم ، من يقل لكم انكم على صح في غلق المدارس فهو : اما جبان ، او مستفيد ، او جاهل … مطاف أخير نصل اليه : اثبتت ذي قار انها بؤرة الجهل والخوف ولا يأتي احد يدحض هذه النظرية الواقعية ويقول بيت فلان والشيخ الفلاني او القائد الفلاني والشرطي والحزبي ووو والخ كل المحافظات فتحت مدارسها لانها محافظات مثقفة ، واعية ، مدركة ، تحب ان تخدم وطنها لاتخذله ، الا ذي قار اليس هذا الواقع فاين المثقفون ، وأين الوجهاء والرجال ؟

ان اول جبان: المعلم زوى نفسه واكبر جبان مدير اخفى شخصه ، ماتت التربية ويحتاج لنا مربين جدد يحملون هذه المهمة ولاسيما إدارة المحافظة ، مدير التربية يتصلون به يخاف ويحمّل المدراء المسؤولية لفتح المدارس … بربك من اختارك مديرا عاما ، أيها الكاد ولم يكد ، في أي قول جهد ، اينك أيها الشمعة ؟ حرقت الطفل كي تضيء لنفسك!؟ كل يوم يضيع من وقت العلم وجعا في قلوب الإباء الصالحون ، وجعا في قلب المستضعفين ، وسيرى الظالمون في أي منقلب ينقلبون … سأكون متهما امام الجميع : ربما اريد ان اخرج من قوقعة : الجبان … لكنني مع الدوام فمن يخرج من تلك القوقعة ؟

اخرج فانك مسلوبٌ

وكل شيء فيك ياوطني مسلوب

حتى الذي يبحث عنك

حتى الذي يأن فيك

يسلبك ، يحرقك ، يُمحيك

بحجة انه يريد وطنا

فانت ضائع ياوطني

حتى في انفاس محبيك

التعليقات مغلقة.