سوالف عن التبعية الأمريكية.. صدك هذا هم وين صار؟

قاسم العجرش||

أستطيع أن أقدم مجموعة مقبولة من الوثائق؛ التي تثبت انتمائي لهذا الوطن، قبل أن أولد، وتلك مزية عجيبة تَفَرَّدْنا بها من دون كل شعوب الأرض، فولدي المولود عام 1990؛ مدون في وثيقة شهادة الجنسية العراقية الخاصة به أنه من التبعية العثمانية، مع أن بينه وبين الدولة العثمانية ثمانين سنة بالتمام والكمال!

الدولة العثمانية ذاتها انقرضت عام 1919 تقريبا، وإن كان بعض المؤرخين يذهبون أبعد من هذا التأريخ، ناهيك عن أن الدولة العثمانية كانت سلطة احتلال لبلادنا، ومع ذلك “نتشرف” ـ وثائقيا على الأقل ـ بالانتماء الرعوي لهذه الدولة.

ربما نحن الشعب الوحيد من بين شعوب الأرض قاطبة، الذي يتعامل مع المحتلين بهذه المودة والأريحية، ولا أعلم إن كان ما أحتمله سيتحقق أم لا، ولكن احتمال تحققه وارد على أقل تقدير، وهو أن يدون في سجلاتنا ووثائقنا بعد مائة عام، أن فلانا من التبعية الأمريكية، على أساس أن كثيرين منا؛ وُلِدُوا تحت ظل الاحتلال الأمريكي..!

صبركم عليَّ فإن هذا الذي أقوله ليس كلاما فنطازيا، أو من باب التلاعب بالمعاني والمترادفات، أو تسويد الصفحات؛ لا إنه ليس كذلك، بل إن له مصاديق على الأرض..

كيف:!

أقول بعد سبعة عشر عاما من الغزو الأمريكي للعراق، وزوال نظام الطاغية صدام، وبعد أن أصبح لدينا دستور دائم خطته أيادي العراقيين، وتمت الموافقة عليه في استفتاء يوم 15 تشرين الأول 2005، ودخل حيز التنفيذ في عام 2006؛ كأول وثيقة قانونية تقرها جمعية تأسيسية منتخبة؛ واستفتاء وطني منذ العام 1924، بعد كل ذلك مازالت قرارت الحاكم المدني الأمريكي “بريمر” الذي استمرت فترة حكمه 13 شهرا، أصدر خلالها أكثر من مئتي تشريع وقانون، ما زالت تداعياتها مستمرة حتى الآن ولها سلطة القانون النافذ، ومازالت الدولة العراقية التي خرجت من تحت ربقة الاحتلال الأمريكي نظريا تتعامل بها.

بعض هذه القرارت، تؤثر بشكل خطير وسلبي، على شكل الدولة وبنيتها المؤسساتية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، التشكيلات الإدارية والوزارات والمؤسسات التي استحدثها بريمر، فقد سلمنا أمرنا تماما على أنها ضرورية، ولا يمكن لنا التخلي عنها أو تغييرها أو إلغاؤها بسهولة ، فضلا عن أن إلغاء قوانين بريمر سيُدخِلُ البلاد في فراغ تشريعي كبير لأن الكثير من مؤسسات الدولة تعمل بموجبها، كالبنك المركزي ومجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا، وهيئة الإعلام والاتصالات، وهيئة نزاعات الملكية وغيرها، فضلا عن استحداثه وزارات ودوائر لم تكن موجودة في هيكلية الدولة العراقية، وبعضها غريبة عن التفكير العراقي!

كما استحدث بريمر أيضا مناصب ودرجات رفيعة في الدولة العراقية، خدمت مشروعه بشكل رئيسي، و”مشت” الأمور في البلاد خلال فترة، صحيح أنها عصيبة من تأريخ العراق، لكنها كانت قصيرة جدا، وبعضهم أشغل منصبا لمدة شهر واحد لاغيرـ ولكنه استمر بتقاضي راتب تقاعدي بآلاف الدولارات شهريا، منذ ذلك التأريخ وإلى يومنا هذا!..

وكي أقدم مثالا على هذه المناصب التي مازال أعضاؤها يتقاضون رواتب أسطورية، أحيلكم إلى أسماء ووظائف هي الآن ليس لها وجود أو لم نعد نسمع بها، ولكنها مازالت تستنزف مواردنا بشكل مستمر: صنكول جابوك، رجاء الخزاعي، سمير الصميدعي، نصير الجادرجي، محسن عبد الحميد، واحد شرطي أمريكي من أصل عراقي؛ اسمه أحمد كاظم “صار” وكيل وزارة الداخلية، وآخر “يمكن” اسمه علاء العلوان وزير تربية، علاء التميمي أمين عاصمة، أعضاء مفوضيات النزاهة وهيئة نزاعات الملكية ومفوضية الانتخابات لثلاث دورات..

أتذكر منهم واحدا اسمه فريد أيار، صدك هذا هم وين صار؟

كلام قبل السلام: ثمة ثقب في ذاكرتنا إذا أغلقناه نختنق فورا بسبب كم القهر الذي تختزنه..!

التعليقات مغلقة.