حقائق تاريخية عن ثورة العشرين … عمالة الشيخ ضاري المحمود للانكليز

العهد نيوز- بغداد- خاص

اذا كنت تعتقد ان التاريخ الاسلامي زور، فلا تستغرب من تزوير تاريخ العراق الحديث، الذي طاله هذا التزوير على مدى 100 عام، ووصل في اوجه في ثمانينات القرن الماضي، عندما كثف النظام السابق بامر من المقبور صدام، بتجيييش الاقلام الرخيصة لحرف تاريخ ثورة العشرين الخالدة التي اندلعت في وسط وجنوب العراق كما يعرف الجميع، ومحاولة نقلها الى المنطقة الغربية، بايجاد رمز “ورقي” لها وهو الشيخ ضاري المحمود الذي اثبتت المصادر التاريخية الحقيقية، انه ليس الا مجرد عميل للاحتلال الانكليزي وكان يستلم منه اموال، كما سنثبت في هذا البحث المبسط.

يقول الباحث عبد الرزاق الحسني، في كتابه الموسوم : الثورة العراقية الكبرى، الطبعه الرابعه الموسعة لسنة 1٩٧٨صفحة ٢٢٩، ان “خميس اكبر اولاد الشيخ ضاري المحمود زعيم عشيرة الزوبع وقد فتك به وهو ضيفه وفي الليلة التي كان فيها نائما تحت خيمته وقتل معه حوذي سيارته، وهو من ابناء العرب ووجد جثمان المقتول بعد قليل في الخان فحمل الى الفلوجة ودفن في احدى المحطات العسكرية.

اسباب القتل هي :

اوجس الحكام السياسيون في المدن والقصبات العراقية خيفة من رؤوساء القبائل كافة على اثر شبوب النار في الرميثة، وخشوا ان تسري هذه النار الى مختلف المناطق فتكلف الحكومة البريطانية جهدا كبيرا لاخمادها، فصاروا يتشبثون بمختلف الطرق لكسب ولاء الرؤساء او لضمان حيادهم على الاقل، فكانوا يجزون العطاء تارة، ويرعدون ويزبدون تارة اخرى.

وكان الشيخ ضاري المحمود شيخ زوبع بلواء الدليم، احد الشيوخ الذين استعانت حكومة الاحتلال بهم للهيمنة على قبائلهم، وخصص له راتبا قدره 750 روبية، في الشهر، ثم قطعت عنه المخصصات.

ولما بدأت بوادر الثورة بالظهور اعادت اليه مرتبه اليه، ولكن بعد ان جعلته خمسمائة روبية، فلم يرق له ذلك، وكان الكولونيل لجمن، نقل من الموصل الى الرمادي في 29 شباط عام 1930، ليشغل منصب الحاكم السياسي في لواء الدليم، والمعروف عن لجمن انه كان سريع الغضب قليل المجاملة فكان ذلك عاملا اضافيا ساعد على توسيع الهوة … الخ.

الكاتب هنا اوجز دور الشيخ ضاري وتعامله مع الاحتلال البريطاني، حيث كان قريب على بلاطهم، مطيعا لاوامرهم، وليس له اي علاقة بالثورة لا من قريب ولا من بعيد.

ورغم اتساع هذا التزوير الا انه فشل فشلا كبيرا في ان يحرف تاريخ هذه الثورة العظيمة، التي اندلعت شرارتها بوسط وجنوب العراق، وخاصة في الوسط، الذي سطر عشائره اكبر ملاحم عرفها التاريخ الحديث، جعلت من الانكليز يتوسلون بهذه العشائر، من اجل عقد الهدنة لفك الحصار عن كثير من المناطق التي كان يشغلها الاحتلال الانكليزي.

لهذا عندما نبين للناس حقيقة هذا التاريخ المزور ، ليس استهدافا لاحد، انما هي حقائق موثقة تاريخيا وشاخصة لا تقبل اللبس والطعن، لكن كل ما في الامر ان النظام السابق عزز هذا التزوير بانتاج فلم بعنوان : المسألة الكبرى، بميزانية ضخمة في ذلك الحين بلغت 30 مليون دولار.

وأذا كان يحق للعراقيين أن يفخروا بشيء فأن لهم في ثورة العراق الكبرى ( ثورة العشرين) خير ما يعتزون ويفخرون به، فلقد أظهرت هذه الثورة المباركة بفتوى المرجعية الرشيدة المعدن الأصيل لأبناء شعب العراق في مواجهة عدوهم الحقيقي بعد سنوات قليلة من دخول القوات البريطانية للعراق بعد هزيمة الدولة العثمانية وخسارتها الحرب العالمية الأولى، ولم تكن ثورة العشرين وكما حاول البعض أن يصورها وليدة حادثة معينة أو ظرف شخصي أو اجتهاد ديني أو نعرة عشائرية بل هي كانت ثورة كل العراق أنتجتها مجموعة متباينة من الاسباب والظروف المحلية متعددة الجوانب منها :

1- التضييق على الحريات العامة في العراق، وفرض الضرائب الباهظة التي فرضها الانكليز على سكان العراق والتي لم تكن مألوفة خلال العهد العثماني، هذا ادى الى تدهور الاوضاع الاقتصادية وارتفاع الاسعار.

2- تغيير الوضع الاجتماعي السائد في العراق قبل الاحتلال، من خلال استمالة شيوخ العشائر  ودعمه بالمال والسلاح وبكل ما يلزمه لكي يكون المسؤول أمامهم عن الأمن والنظام في منطقته أي المنطقة التي تخضع لنفوذ هذا الشيخ، مما اثار عامة الناس على هذه الاجراءات الجديدة.

3- نكث الاحتلال البريطاني بوعودهم باستقلال العراق بعد تحريره من العثمانيين، وتسلطهم على مقدرات العراق، واستخدام اسلوب القسوة ضد السكان.

4- تنامي الحس الوطني لكثير من العراقيين في مدن العراق المهمة مثل بغداد والكاظمية والنجف وكربلاء وقيام مجموعة من الزعماء المحلين بالتصدي لموضوع قضية العراق ومطالباتهم بالاستقلال.

5- دور علماء الدين في استنهاض الناس للمطالبة بحقوقهم من خلال القيام بثورة ضد الاحتلال الانكليزي، اسوة بشعوب المنطقة.

ففي 25 نيسان 1920 أعلنت مقررات مؤتمر سان ريمو، والتي تضمنت إعلان الانتداب البريطاني على العراق وفلسطين ، والفرنسي على سوريا ولبنان . لقد كان القرار صدمة قوية للأوساط الشعبية والدينية العراقية، وكانت قد سبقته تحركات سياسية فجرها الاستياء من سوء معاملة الإدارة البريطانية للعراقيين عموماً ، وكانت المرجعية تشرف على الاتصالات مع الأطراف الخارجية ، فقد كتب رسالة شخصية في أوائل آب 1919 إلى الشريف ( حسين بن علي) في الحجاز، فأجابه الأخير برسالة يعلن فيها تأييده لمطالب العراقيين .

وفي 16 نيسان 1920 عقد اجتماع في دار السيد علوان الياسري حضره عدد من العلماء ورؤساء العشائر ، وضم الميرزا محمد رضا الشيرازي ، نجل المرجع الشيرازي . طرحت في الاجتماع فكرة الثورة لأول مرة ، وتم الاتفاق فيه على تصعيد المواجهة ، لم يكن الامام الشيرازي يميل للعنف والثورة المسلحة ، بل كان يريد أن تبقى الحركة الوطنية سلمية تكتفي بالمطالبة بحقوق البلاد المشروعة دون اللجوء إلى السلاح ، ولكن الذين خططوا للثورة ، ثم أصبحوا قادتها منهم عبد الكريم الجزائري وجعفر أبو التمن ونور الياسري وعلوان الياسري وعبد الواحد الحاج سكر، استطاعوا إقناعه ، وتبديد مخاوفه وتحفظاته بقولهم” إذ كان يخشى الفوضى ، ويعتبر حفظ الأمن أهم من الثورة بل أوجب منها ، فأنهم قادرون على حفظ الأمن والنظام ، وأن الثورة لابد منها وسوف يبذلون ما في وسعهم لحفظ النظام وتوفير راحة العموم” . فقال لهم : إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم”، وبدأت التحركات السياسية بدعوة الناس للتظاهر سلمياً للمطالبة بالحقوق المشروعة ، فأصدر الامام الشيرازي بياناً يدعوهم فيه للتظاهر السلمي مع المحافظة على الأمن، ((بسم الله الرحمن الرحيم، بناء على الحرية التي منحتنا إياها الدول العظمى ، وفي مقدمتهن الدولتان الفخيمتان انكلترة وفرنسة ، وحيث أننا ممثلو جمهور كبير من الأمة العربية العراقية المسلمة ، فإننا نطلب أن تكون العراق ، الممتدة أراضيه من شمال الموصل إلى خليج فارس ، حكومة عربية إسلامية يرأسها ملك عربي مسلم هو أحد أنجال جلالة الملك حسين ، على أن يكون مقيداً بمجلس تشريعي وطني والله ولي التوفيق، حرر يوم الأربعاء في 5 ربيع الثاني سنة 1337).

 ولخوف الامام الشيرازي على مسالة الامن وحفظها وحفظ وحدة العراقيين، طلب من قادة الثورة إرسال وفد يمثل كل منطقة إلى بغداد، وجاء في طلبه (أما بعد فإن إخوانكم في بغداد والكاظمية والنجف وكربلاء وغيرها من أنحاء العراق، قد اتفقوا فيما بينهم على الاجتماع والقيام بمظاهرات سلمية.

وقد قامت جماعة كبيرة بتلك المظاهرات، مع المحافظة على الأمن ، طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لاستقلال العراق إن شاء الله بحكومة إسلامية ، وذلك أن يرسل كل قطر وناحية إلى عاصمة العراق (بغداد) وفداً للمطالبة بحقه ، متفقاً مع الذين سيتوجهون من أنحاء العراق عن قريب إلى بغداد، فالواجب عليكم ، بل على جميع المسلمين ، الاتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف .

وإياكم والإخلال بالأمن ، والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض ، فإن ذلك مضر بمقاصدكم ومضيع لحقوقكم التي صار الآن أوان حصولها بأيديكم . وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل والنحل التي في بلادكم ، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ، ولا تنالوا أحداً منهم بسوء أبداً . وفقكم الله لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).

وبعد فشل الجهود السلمية في إقناع الإدارة البريطانية بالاستجابة إلى مطالب الشعب العراقي ، وبدأت بتصعيد سياستها وممارساتها ضد المعارضين والناشطين .

وفي 21 نيسان 1920 ألقى (الميجر بولي) القبض على ابن الامام الشيرازي ، محمد رضا الشيرازي وعدد من شيوخ ووجهاء العراق، ثم نفيهم إلى جزيرة هنجام في الخليج، الا ان تهديد الامام للإنكليز بإعلان الجهاد عليهم جعلهم يعيدونهم مرة اخرى للعراق.

وبعد رفض الانكليز لمطالب الشعب بحكومة عراقية وطنية مماطلتهم، لم يكن أمام الامام الشيرازي إلا تأييد الاتجاه الآخر، أي الثورة ، فأصدر فتواه التي منحت الشرعية لحركة جهاد جديدة ضد الاحتلال البريطاني، وتم مناقشة الثورة مع شيوخ وعلماء الدين ، توصل الامام الشيرازي الى نتيجة إصدار التعليمات للثوار؛ وعندما استفتى عدد من زعماء العشائر العراقية الإمام الشيرازي حول جواز استخدام السلاح بوجه المحتل أجابهم الإمام الشيرازي بفتوى صريحة أشار فيها: “بسم الله الرحمن الرحيم، مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين. ويجب عليهم، في ضمن مطالبهم، رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذ امتنع الإنجليز عن قبول مطالبهم”، وهذه الفتوى كانت بمثابة الركيزة الأساسية في انطلاق العمل الثوري ضد الاحتلال، إذ أُيدت من قبل خطباء وعلماء كربلاء ومنهم (محمد حسين المازندراني ومحمد صادق الطباطبائي وعبد الحسين الطباطبائي، ومحمد علي الحسين وغلام حسين المرندي ومحمد رضا القزويني ومحمد إبراهيم القزويني ومحمد الموسوي الحائري وعلي الشهرستاني وهادي الخرساني وجعفر الهر وكاظم اليهبهاني وفضل الله وعلي الهادي الحسين).

كما أصدر الامام الشيرازي فتوى أخرى ضد انتخاب (السير برسي كوكس) المندوب السامي البريطاني؛ ليكون رئيساً لحكومة العراق، قائلا: (ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين)، ولما عرف العراقيون فتواه حول موقفه من انتخاب المندوب السامي البريطاني ليكون رئيساً لحكومة العراق، نهضوا في وجه السلطة الجائرة وحاربوهم بأسلحتهم البسيطة المعروفة في ثورة العشرين الشهيرة والخالدة، ومن هنا نعرف أن الثورة كانت بدفع، وتخطيط، وفتاوى المرجعية الدينية الشيعية بالتحالف مع العشائر الشيعية وشيوخها في الوسط والجنوب التي قدمت من الضحايا حسب ما قدَّرها الجنرال هالدين، أحد القادة العسكريين البريطانيين آنذاك، بـ( 8450 ) بين شهيد وجريح، مستنداً في تقديره هذا على عدد الشهداء الذين عُثرَ على جثثهم، وعلى التقارير الواردة من مختلف المصادر، وعلى سجلات الدفن في كربلاء والنجف، ومعظم الخسائر كانت من عشائر منطقة الفرات الأوسط، وهذا عدد كبير في تلك الفترة التي كان عدد نفوس العراق نحو مليونين ونصف المليون نسمة.

وقد أسّس ا(لإمام الشيرازي) على أعقاب (الفتوى) مجلسا لقيادة الثورة، يستشيرهم وينقل بواسطتهم أوامره للمجاهدين، وكان فيهم العلماء وهم كلا من ( الشيخ محمد رضا الشيرازي النجل الأكبر للإمام الشيرازي، السيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني، الميرزا أحمد الخراساني، السيد أبوالقاسم الكاشاني، الشيخ مهدي الخالصي).

وقد انطلقت الثورة في كل محافظات ومدن  العراق، وشارك فيها كل اطياف الشعب في كل المناطق، وكان لها اثر واضح على اوضاع العراقية السياسية الى يومنا هذا، وكان (للنجف الأشرف) وعلمائها الأعلام، وعشائره الأباة، ومثقّفيه الأكارم الدور الكبير في التعبئة الثورية، وتحرير المناطق من (الاستعمار المحتلّ) وتحرير النجف الأشرف عنه بعد سيطرة البريطانيين الكاملة عليه.

إن موقف الفقهاء والمجتهدين يتضمن بعدين ، الأول : ديني فقهي ، إذ توجب الشريعة الإسلامية طاعة أولي الأمر من المسلمين لا أي يطيعوا السلطة الحاكمة إذا كانت من الكفار . يقول تعالى ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء :59)، الثاني : سياسي ، إذ كانت بريطانيا وفرنسا قد وعدتا بإنشاء دولة عربية بعد انسحاب النفوذ العثماني من المنطقة العربية . فقد جاء في البلاغ البريطاني-الفرنسي الصادر في 7 تشرين الثاني 1918 “أن الغرض الذي ترمي إليه كل من بريطانيا وفرنسا في الشرق ، هو تأسيس حكومات وإدارات وطنية ، تستمد سلطانها من تأييد رغبة السكان الوطنيين أنفسهم ، ومحض اختيارهم ، واعترافهما بهذه الحكومات ” عندما يتم تأسيسها تأسيسا فعليا .

ولم تعتمد المرجعية الدينية على الوسائل العسكرية فحسب، بل لجات الى الوسائل الدبلوماسية ايضا، والتباحث مع الدول الكبرى وحثها للضغط على بريطانيا للإيفاء بوعودها وعهودها مع العراقيين ومنحهم الاستقلال

التعليقات مغلقة.