قراءة في كتاب (الإمام الخميني “رض” في ذاكرة النجف الأشرف)

عرض وقراءة / سامر مجيد

كتاب فريد من نوعه من حيث المعلومات المثيرة والجديدة التي يطرحها ويبرزها الإعلامي والباحث الإسلامي الأستاذ أحمد رضا المؤمن والذي كان حريصاً كُل الحرص على توثيق العلاقة الروحية والتأريخية والسياسية والإجتماعية بكُل تفاصيلها بين المرجع الراحل آية الله العُظمى السيد روح الله الموسوي الخميني “رض” ومدينة جده الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب “ع” في النجف الأشرف خلال إقامته فيها لمدة (14) أربعة عشر عاماً (1965م ـ 1978م) إضطرتهُ الظروف السياسية لأن يقضي فترة نفيه فيها بعد مُواجهات ومُصادمات دامية لهُ مع الشاه الإيراني المقبور مُحمّد رضا بهلوي .

وتنبع خصوصيّة دراسة وقائع وأحداث وتأريخ نهضة السيّد الخميني أثناء وجوده في النجف الأشرف كما يقول المؤلف في مُقدمته من بُعدين أساسيين ركّز عليهما هُما :

أ / البُعد المناطقي :

حيث أن من المفارقات التأريخية هي أن بزوغ فجر الدولة الإسلامية المعاصرة في إيران من خلال نظرية “ولاية الفقيه” كانت إشراقتها من مدينة النجف الأشرف ، من محلة الحويش ، من مَسجِد الشيخ الأنصاري “قده” .

وهو أمرٌ لَهُ بُعدهُ المناطقي الخاص بِهِ كون أن النجف الأشرف ومؤسّستها الدينية في الفترة التي طَرَحَ السيّد الخميني فيها نظرية “ولاية الفقيه” لم تكُن تَتَقبل بسهولة مثل هذا الطرح الجريء والطموح ، بل كانت لها ردود أفعالها المختلفة أوضح المؤلف بعضها في فصول الكتاب.

ب / البُعد (الفكري) الآيدولوجي :

فالنجف الأشرف وحين حلول السيّد الخميني وإستقراره فيها في وقت كانت مدينة النجف الأشرف تَتَنازَعَها مَدرَسَتين آيدولوجيتين رئيسيتين هُما المدرَسَة القومية والمدرسَة اليسارية الشيوعية ، أما المدرسة الإسلامية فكانت في بدايات تشكيلها بالمعنى التنظيمي ، ولم تكُن تَتحرّك على أساس نظرية مُتكاملة في الحكم وقيادة الحياة بل كان مُعظم تحركها ينطلق من أساس الدفاع العقائدي وَصَد المد الشيوعي الأحمر الذي إكتَسَح العراق في النّصف الأول من القرن الميلادي المنصرم بفعل الفراغ الإسلامي في الساحة السياسية العراقية وأسباب أُخرى طائفية سَعَت إلى تقييد ومُحاصَرة حَرَكَة المرجعية الدينية في العراق .

وبمجيء السيّد الخميني في العراق وطرحِهِ لنظرية “ولاية الفقيه” في النجف الأشرف في قلب المؤسّسة الدينية فيها بزغ فجرٌ جديد من الواقع السياسي الإسلامي ليس في إيران فقط ، بل وحتى في العراق ودول كثيرة من أنحاء العالم العربي والإسلامي كون هذه النظرية تؤسّس لإستقلال آيدولوجي إسلامي لا يرضى بالإتكاء على أيّة آيدولوجيا أخرى شرقية كانت أو غربية أو غير ذلك.

وطبعاً فإنهُ وخلال فترة وجود السيّد الخميني في مدينة النجف الأشرف جَرَت أحداث كثيرة ومُهمّة بل خطيرة غير بعضها مجرى التأريخ فيما بعد ، وهذه الأحداث لها خصوصية ومكانة من حيث حيثياتها وتأثيراتها في المجتمعين الإيراني والعراقي وتفاعُل المجتمَع النّجفي بحوزته وجماهيره ومؤسّساته مَعَها سَلباً وإيجاباً والتي أثمرت في النهاية عن تأسيس دولة إسلامية حقيقية غير تابعة لأي قوى عالمية أو إقليمية ولتصبح بعد ذلك الظهير الإستتراتيجي لحماية المستضعفين في العالم .

كما أن المؤلف بَذَل جُهداً توثيقياً وتحليلياً واضحاً سَعى فيه بما توفر لديه من مصادر تأريخية وعلمية موثوقة ورصينة أن يَستَنطق ذاكرة مدينة النجف الأشرف وحوزتها وأعلامها وأحداثها وكُل ما تختزنه من ذاكرة الوفاء لذكرى هذا الثائر الهاشمي العلوي وذلك من خلال ستة فصول تسبقها شذرات من السيرة العطرة للسيد الخميني وهي :

الفصل الأول :

ويَتَضَمّن رَبطاً بين المرحلة التي سَبَقت القدوم المبارك للسيّد الخميني إلى النجف وما حصل (إجمالاً من أحداث ثورة خُرداد / حزيران عام 1963م وما حصل بعدها من نفي له من قبل الشاه مُحمّد رضا بهلوي إلى تُركيا ومن ثُم إلى النجف الأشرف لتبدأ مَرحَلَة من أهم مراحل الثورة والتأسيس للنهضة الإسلامية بالإضافة إستعراض لأشكال التفاعل مع القدوم المبارك من قبل المراجع والعُلماء المبرزين في الحوزة العلمية الشريفة في النجف الأشرف .

الفصل الثاني :

وَيَتَناوَل الحديث عن تفاصيل أهم نظرية فكرية إسلامية قام بطرحها السيّد الخميني في فترة وجوده في النجف الأشرف وهي نظرية (ولاية الفقيه) وما ترتب على هذا الطرح من ردود أفعال ومواقف مؤيدة أو مُعارضة ولا سيما المواقف المميزة كموقف الشهيد السيّد مُحمّد باقر الصدر ، ثُم الحديث عن محور إصرار السيد الخميني على مُواصلة الجهاد والثورة ضد الشاه حتى إسقاطه وبإمكانات بسيطة مُعتمداً على إيمانه بالله تعالى رغم نفيه والموانع العديدة والتهديدات ، وكذلك الحديث عن محور الوعي المبكّر للسيّد الخميني في إصراره وإهتمامه بدعم ونُصرة القضية الفلسطينية وإعتبارها القضية الأُم التي يجب أن تلتقي فيها طاقات الأمة في سبيل إصلاح أحوالها .

الفصل الثالث :

وفي هذا الفصل تناول المؤلف محوراً مُهماً جداً يتعلق بشكل العلاقة بين السيد الخميني والحوزة العلمية في النجف الأشرف والحديث عن أبرز العلائق بينهُ وبين مراجع تلك المرحلة كالحديث عن طبيعة علاقته بالسيد مُحسن الحكيم والسيد الخوئي والسيد البغدادي والشهيد السيد الصّدر .

الفصل الرابع :

فتح فيه المؤلف مِلَف العلاقة بين السيّد الخميني والحكومات العراقية المتعاقبة والتي أخذت بالعداء المتصاعد بسبب المواقف المبدئية للسيد الخميني والتي لم تستطيع الحكومة البعثية في العراق من خلالها المتاجرة بها وتحويل وجود السيّد الخميني إلى ورقة ضغط على نظام الشاه ، وهو ما زاد من حَنَق البعثيين على السيد الخميني ومواقفه غير القابلة للمُساومَة ، وكذلك تطرّق المؤلف إلى موقف السيد الخميني من أحداث التسفيرات المؤلمة والتي قام بها البعثيين بهدف ضَرب الكيان الشيعي بالمجمل في العراق خاصة وأن المسفّرين كانوا يُشكلّون ثُقلاً مُهماً ومؤثّر في الحوزة العلمية في النجف الأشرف . ومن ثُم الحديث عن موقف الحركات الإسلامية والإسلاميين في العراق منه .

كما تناول موضوع إغتيال الشهيد العلاّمة الحجة السيّد مُصطفى الخميني من قبل عُملاء السافاك الإيراني وبتنسيق مع البعثيين في العراق . وأخيراً تطرّق إلى ما قامت به القوى الإستكبارية وعُملاءها البعثيين والسافاك من مُضايقات وإحراجات للسيد الخميني للضغط عليه وإجباره على الرحيل عن العراق أو الكف عن الثورة والمقاومة ضد طُغيانهم .

الفصل الخامس :

تناول فيه كُل ما يَتَعَلّق بحياته الشخصية في النجف الأشرف لما لها من خصوصيات زمكانية كالسكن والملبس والمأكل والعلاقة مع الناس وعبادته .. إلخ . وذلك بالإستفادة من شهادات وذكريات شهود عيان من إيران والعراق ممن عاشوا معه أو شهدوا حوادث وقضايا جرت للسيد الخميني فترة وجوده في النجف الأشرف أمامهم أو حتى سمعوا بها من الثقاة .

التعليقات مغلقة.