الظلم في مفهوم أمير المؤمنين الامام علي (ع)

محمد رضا الشيرازي
في رحاب ذكرى إمام المتقين وقائد الغر المحجلين بطل الإنسانية الخالد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه)، نحاول أن نتلو مقاطع من كلمات الإمام (صلوات الله وسلامه عليه).
ربما لاحظتم ان هنالك واعظا عاديا، ولكنه قد يكون واعظاً متعظاً يعمل بما يقول، ويعظ الناس بأعماله قبل أن يعظهم بأقواله، فكم تؤثر كلمات هذا الواعظ في قلوبنا؟ واذا كان هذا شأن الواعظ العادي، فكيف إذا كان وليّاً من الأولياء، وكم سيكون تأثيره علينا عندئذ؟ بل كيف إذا كان هذا الواعظ إماماً من الأئمة وسيد الأوصياء وسيد الأئمة، وهو الشخصية الثانية في هذا الوجود كله بعد شخصية خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله).
اننا نحاول أن تتصل قلوبنا بتلك الروح العملاقة، سنتلو مقاطع من كلمات الإمام صلوات الله عليه يحدد فيها موقفه من الظلم.
مفهوم الظلم وخواصه
بدايةً يجب أن نعرف خواص الظلم، وهل الظلم موافق للطبيعة البشرية أم مناقض لها؟
ان الفرد عندما يُقدم على الظلم أيّاً كان حجمه، حتى لو كان ظلماً لطفل صغير فهو امر منافي للطبيعة البشرية، فقد يظلم احدهم طفله الصغير في البيت وهذا لايملك سلاحا او وسيلة يدافع به عن نفسه أمام هذا الأب أو أمام الأم، فاذا كان الظلم بهذا الحجم او المقدار، هل هو مناقض للطبيعة البشرية أم موافق لها؟ وهل طبيعة البشر أو الإنسان تدعوه إلى الظلم؟
ان الشيء الذي يبدو لنا من خلال بعض النصوص الشرعية يؤكد أن الظلم لا يوافق الطبيعة البشرية، وهذا السلوك ليس في طبيعة البشر ولا في فطرة الله التي فطر الناس عليها، (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة)[1]، ان الطبيعة او الفطرة البشرية هي ضد الظلم وضد كل تَعَدٍّ أو عدوان، فطبيعة البشر لاتقبل الظلم حتى لدى الطفل، وهذا التصور لا يحتاج إلى رجل كبير له عقل متكامل لإدراكه، لأن هذه القضية غير مرتبطة بالعقل وإنما بالفطرة والوجدان الأخلاقي وهو موجود لدى الأطفال ايضا، فهذا الطفل الصغير الذي له من العمر ثلاثة أعوام لايقبل الظلم ولايقبل الكذب، فحين يرى امه او اباه يكذب في يوم من الأيام سيقول: بابا لماذا تكذب؟! فلو قلتم للطفل على سبيل المثال، قل لهذا الذي دق الباب أن بابا ليس موجودا! سيرد الطفل بابا انك موجود فكيف أقول لطارق الباب انك غير موجود؟!
ان الطفل لا يقبل هذا الكذب بطبيعته، وإذا رأى طفلا يظلم طفلا آخر، فعن أيهما يدافع بطبيعته الأولية وبوجدانه النقي؟ هل يدافع عن الظالم أم عن المظلوم؟ طبعا سيدافع عن المظلوم ويقف بوجه الظالم، حتى لو كان عمر هذا الطفل ثلاثة أعوام، لاحظوا انتم هذا الشيء ودققوا فيه، فكل منكر وكل ظلم وكل تعدٍّ يرفضه الطفل بوجدانه، حتى الإنسان المتوغل في الظلم والمنكرات يشعر أن هذا ظلم، وفي الليل سيأنبه ضميره، بل حتى الحجاج عندما قتل سعيد بن جبير لم يستطع النوم في الليل، حيث كان في كل ليلة ينام فيها يقفز من النوم فزعا مرعوبا متأثرا.[2]
ظلم واحد يدمر عائلة
أنقل لكم هذه القضية التي حدثت في بلد من البلدان لا اريد ان اذكر اسمه، حيث لابد على الامهات والآباء ان يكونوا دقيقين جدا في كيفية تعاملهم مع ابنائهم.
اشترى احدهم آثاث جديدة لغرفة الجلوس في بيته أو ما شابه ذلك فيأتي طفله بشيء ما، أو مسطرة أو خشبة، ويخدش هذا الآثاث الجديد، – فالطفل ليس عنده عقل كامل، وأحياناً لا يفهم المعادلات ولا الموازين، فيحب اللعب حيث انها مرحلة الطفولة واللهو، (إنما الحياة الدنيا لعب)[3] – فيحدث عيبا فيها، طبعا سيختل او يختلف المنظر الذي اصبحت عليه الغرفة، يأتي الأب فيُفاجأ بهذا المنظر ويفقد أعصابه، وهو ما لا يجب أن يحصل للإنسان سواءً في البيت او مع الآخرين أو في المعاملات التجارية.
ان ما حصل مع ذلك الطفل بعد ذلك كان نوعاً من الجنون، جاء الأب فأخذ الخشبة او المسطرة وبدأ يضرب يد الطفل ضربا مبرحا، فكان يضربه وهو فاقد لمشاعره، إستمر بضرب طفله وهو في حمّى الغضب والجنون، حتى تجمد الدم في يد الطفل، فذهب به إلى المستشفى، لكن الطبيب قال له ان وضع الطفل خطر جدا، يجب أن تُقطع يده فورا من منطقة الزند! نعم؛ هذا الطفل البريء يجب أن تُقطع يده، قال الأب سأدفع كل شيء، بل أي مبلغ تقوله، قال الطبيب: كلا، لا يمكن، يجب أن تُقطع يد هذا الطفل، حتى لايسري التلف إلى بقية بدنه ويقتله، فحاول الأب مع الطبيب لكن ليس هنالك مناص، واستسلم بالنتيجة للأمر الواقع، فأخذوا الطفل المسكين إلى غرفة العمليات ليقطعوا يده من الزند.
وبعد فترة أفاق الطفل، فجاء الأب قربه وهو في حالة تأثر شديد، لكن الطفل ببراءته يخاطب أباه ويقول له: بابا إذا انا صرت كبيرا وحصلت على المال وأعدت لك (الآثاث الجديد) إلى وضعه الأول، فهل ستعيد لي هذه اليد المقطوعة أيضاً أم لا؟ فانفجر الأب بالبكاء على أثر هذا الكلام، ولم تمضِ سوى أيام معدودة حتى مات حزناً وكمداً، نتيجة لحظة غضب وجنون، فقد دُمِّرَت عائلَتُه، وبقيت يدُ الطفل مقطوعة إلى آخر حياته، ومات وليُّ وأبو هذه العائلة وتشردت على أثر ظلمٍ واحد في لحظات معدودة.
ان وجدان الإنسان لا يتحمّل الظلم أيّاً كان، لهذا يندم، فالظلم ضد الطبيعة البشرية ولكن هنالك عاملين يشير اليهما أمير المؤمنين صلوات الله عليه في هذه الخطبة، يدفعان بالإنسان إلى الظلم والتعدي والتجاوز على حقوق الآخرين:
العامل الأول: عامل الضغوط
ان الإنسان يعيش في ضغوط عديدة، فالمجتمع يضغط، والزوجة تضغط، والزوج يضغط والإبن وكذلك الأب يضغط، فالإنسان يعيش بين ضغوط، فإلى ماذا يقوده هذا الضغط؟ سيجره إلى الظلم -نعوذ بالله-، فكثير من الزوجات يسقنَ أزواجهن إلى جهنم، نعم المرأة قد تقود زوجها إلى جهنم، حين تضغط عليه وتضغط حتى تذهب به للنار، والزوج قد يسوق زوجته إلى جهنم.
هنالك لكل شخص سرا من الأسرار، فليس للإنسان حق بفضح أسرار الآخرين، وهذا محرّم من الناحية الشرعية، حتى بين صديق وصديق يبقى هنالك سر، احدهم قال لك سرا في مكان لا يرضى بأن يُكشف، فليس لك حق أن تكشف هذا السر، فهو حرام.
ان المتديّن لا يكشف السر حتى لصديقه، نعم قد يتأثر الصديق ويتخذ موقفا من صديقه، اذ لماذا لا توجد بيننا مصارحة؟! كلا، من الغلط المصارحة في أسرار الناس، نعم؛ قد يتخذ هذا الصديق موقفا منك، اذن فليتخذ موقفا منك، حتى لو كانت صداقة عشرين عاما، ستنتهي وتزول، فلتَنتَهِ وتزول، فهل يفضل الانسان صديقه على الله سبحانه وتعالى؟! كلا، إذن، دعه يزعل ويتأثر.
ان الزوجة تحاول أن تستعلم الأسرار الموجودة لدى زوجها، وهذا لايجوز، ويحاول الزوج أن يستعلم أسرار المؤمنات من زوجته، فليس لها حق من الناحية الشرعية في ذلك، اذن يعيش الانسان في هذه الشبكة من الضغوط، مع أخيه وأبيه وإبنه وعمه وخاله وزوجته وصديقه.
السيد حسين القمي[4] رحمة الله عليه، يقول: أنا مستعد لأن أعمل لصديقي كل شيء، واذهب معه إلى كل مكان حتى إلى باب جهنم، لأن هذا هو الحد الأخير، فاذا قال لي حراما أو كذباً او إفشاء أسرار الآخرين أو غيبة، أو تهمة ونميمة، لن أكون مستعداً لذلك.
شبكة الضغوط وحطام الدنيا
ان هذه هي شبكة الضغوط، فماذا يفعل الانسان؟ هل يخيّر نفسه بين الدنيا والآخرة، وهل يستجيب لهذا الضغط الآني؟ أو يخضع لهذه الضغوط المؤلمة المؤثرة والقاتلة.
ان الإمام (صلوات الله عليه) كأنه يشير في صدر هذه الخطبة إلى العامل الأول من عوامل الظلم وهو عامل الضغوط، فيقول صلوات الله وسلامه عليه (والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهّدا وأُجرّ في الأغلال مصفّدا أحب إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد وغاصباً لشيء من الحطام)[5].
ان حسك السعدان نبات فيه شوك ترعاه الإبل وتأكله، ويقال لهذا الشوك الحسك، انه شوك ذو ثلاثة شعب وهو مؤلم جدا، فإذا دخلت شوكة واحدة في رجل الانسان كم سيتألم ويتأذى؟ وإذا دخلت الإبرة في حالة الخياطة غفلة بيد الإنسان كم سيتألم؟ ان الشوكة الواحدة هكذا تؤلم الانسان فكيف إذا نام على هذا الشوك ذي الثلاث شعب من الليل حتى الصباح؟، وكان جسمه وصدره وبطنه ووجهه ويده ورجله على هذه الأشواك وهذه الأشواك داخل بدنه.
فهذا الضغط وهذه المشكلة، (والله لأن أبيت على حسك السعدان) على هذا الشوك (مسهّداً) بمعنى متأرقا ومحروما من النوم من الليل حتى الصباح، (وأُجرّ في الأغلال مصفداً) مثل أولئك المجرمين الذين يؤخَذون إلى المعتقلات، يغلّون أيديهم وأرجليهم وأعناقهم في الأغلال.
ان هذا الوضع فيه ألم وفيه معاناة، ولكن هذه الحالة مع ما فيها من الشدة والضغط في نظر أولياء الله -غير أولياء الله يخضع للضغط، وتؤثر عليهم الضغوط الآنية- (أحبّ إليّ) من ماذا؟ نحن نخاف من النار وهو جيد، ولكن أمير المؤمنين صلوات الله عليه لا يشير إلى النار في هذه الخطبة وإنما يشير إلى مسألة أخرى، فالنار مهولة جداً ولكن الإمام يشير إلى ما هو فوق النار، ان هذا الامر موجود لدى أولياء الله ولدى العارفين بالله وهو ملاقاته سبحانه، فكيف يلاقي الانسان ربَّهُ بهذا الظلم؟ نعم كيف يلاقي الله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وآله بهذه المعاصي والذنوب؟
لاحظوا الآية الكريمة، يقول الله تعالى (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته)[6] أي تلحق به الخزي يوم القيامة، وهذا الألم في النفس من العذاب، فإذا خيّروا شخصا بين ان يعذبوه ويضربوه ويسجنوه أياما، أو ينشرون إسمه في الجرائد والمجلات كمجرم ويُطاف به في الأسواق بهذه الصفة، والناس يشيرون إليه بالأنامل، فماذا سيختار؟ هل يختار العذاب أم يختار الخزي، أيا منهما سيختار؟ قطعاً سيختار العذاب، العذاب أولى من الخزي.
ان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول (أحب إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد)، فهل يؤتى بي أمام الله سبحانه وعليَّ حقوق الله وحقوق الناس، وغاصباً لشيء من حطام الدنيا ومتاعها؟
وما هو الحطام وما هي قيمته؟ انه النبات اليابس الذي سترونه في ايام الخريف حين يسقط من الأشجار وعندما تضع قدمك عليه يتكسر، ان الإمام عليه السلام يسمّي هذه الدنيا بالحُطام، (وغاصباً لشيء من الحطام).
(وكيف أظلم أحداً لنفس يُسرع إلى الْبِلَى قفولها ويطول في الثرى حلولها)، لكن إذا كان الشخص يرى نفسه خالدا في الدنيا وطاغية فيظلم ويمنع حقوق الله وحقوق الناس، ربما له وجهٌ عند البعض وتبرير لعمله ولكن في أيام معدودة، فكم من حاكم رأيتموه تبدل في هذا البلد؟ عشرة أو أكثر أم أقل خلال هذه الفترة المحدودة، فأين ذهب هذا الحاكم؟ لقد انتهى.
(وكيف أظلم أحداً لنفسٍ يُسرع إلى الْبِلَى) بمعنى إلى الفناء (قفولها) أي رجوعها (ويطول في الثرى حلولها) تذهب الى القبر وتبقى طويلا، ولكن في ذلك القبر تسرع الأيام، لاحظوا الآية الكريمة، ربما يتصور الانسان ان الآخرة بعيدة، اي بعد مدة طويلة ستأتي، كلا… انها تأتي بغمضة عين، وبغمضة عين تنقلب الامور، فأين ذهب الحكام وأين وصلوا؟
ماذا قدمنا لآخرتنا؟
إننا قبل أيام كنا أطفالا، أليس كذلك؟ لكن انظر الى الأطفال، فقد تحوّلوا إلى كبار، والشعيرات البيضاء جاءت، وغدت لحاهم وشعورهم بيضاء، هؤلاء الصغار هم الذين كانوا أطفالا، انهم كانوا في الهيئات وفي الدورات الدينية، احدهم صار تاجرا وآخر خطيبا وثالث عالما وأحدهم صار موظفا وآخر قائد حملة، هؤلاء هم أنفسهم كانوا صغارا، والآن غطَّت الشعيرات البيضاء لحيتهم وشعر رؤوسهم، انه جيل اخذ يقترب من النهاية، والذين كانوا شبابا اصبحوا الآن كلهم شيبا، وصارت لحاهم كلها بيضاء، لكن الى أين تذهب هذه القافلة؟ انها تمضي إلى مصيرها النهائي.
لاحظوا الآية الكريمة كم هي دقيقة؟ (إن الله سريع الحساب)[7]، فالآن (الدنيا) فترة قصيرة فترة مهل حيث ليس هناك من يسألك وليس هناك من يقول لك شيء، ولكن بعد قليل إنتهى عمرك، حيث يُعلن في الجريدة ان فلانا توفي وانتهى ورحل.
ان الإنسان اذا مات يقول الناس ماذا ترك وراءه؟ من هم أولاده؟ وما هي ثروته؟ أما الملائكة فتقول ماذا قدّم، فلا قيمة لأولاده أو ثروته؟ بل ماذا قدّم لآخرته؟ وما هي أعماله أمام الله؟
(وكيف أظلم أحداً لنفسٍ) لهذه الشهوات الآنية (التي يُسرع إلى الْبِلَى قفولها) تعود إلى البلا والفناء، (ويطول في الثرى حلولها) وبعد زمن سيكون كل الناس تحت التراب بمن فيهم صاحب هذا المقال![8] الى هنا انتهى الأمر.
وماذا يفعل اولادنا بعد موتنا؟ أقصى ما يفعلونه البكاء ليومين او ثلاثة، هل سيبقون إلى آخر عمرهم يبكون علينا؟ وهل نحن الآن نبكي على أجدادنا وآبائنا الأولين إلى آخر العمر؟ بل اننا نسيناهم ومضوا الى دار حقهم، نعم نعمل لهم بعض الخير في احدى ليالي الجمع، لقد رحلوا وإنتهوا، نعم كثير جدا من أولادنا يأتون إلى القبر، ويقيمون ثواب الفاتحة لثلاثة أيام ويعملون لنا أربعينية وسنوية، لكن انتهت القضية، هذا هو الواقع، وبعد ذلك يذهب الجميع وماذا بعد؟! لقد تركوك وحدك، مثلما يذهبون بك إلى المحكمة ويتركونك وحدك فتصبح وحدك أمام الحاكم.
هناك سيخاطب الله سبحانه وتعالى العبد بعد دفنه: (عبدي أوحدوك) اي تركوك وحدك؟، نعم فكلهم تركوك وحدك، زوجتك وأولادك (عبدي أوحدوك، عبدي ألحدوك) أي تركوك في اللحد؟ (عبدي أوحشوك) اي تركوك للوحشة؟، فقد انتهى الأمر (وارحم في ذلك البيت الجديد غربتي)[9] ويصير الانسان غريبا ليس له أحد ويصير مسكينا ليس له جار.
ضغوط الشبكة الاجتماعية
ان الإمام صلوات الله عليه يُشير إلى صورة من صور هذا الضغط، ضغط الشبكة الإجتماعية، (والله لقد رأيتُ عقيلاً)…
من هو عقيل؟ انه أخو الإمام وليس شخصا بعيدا وهو أكبر من الإمام، فأبو طالب عنده أربعة أولاد، طالب الإبن الأول وبه يكنى (أبو طالب) ثم بعد ذلك عقيل ثم جعفر ثم أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، فقد كتب المؤرخون أن طالب كان أكبر من عقيل بعشرة أعوام، وعقيل كان أكبر من جعفر بعشرة أعوام، وجعفر كان أكبر من الإمام أمير المؤمنين بعشرة أعوام، اذن عقيل كان يكبر الإمام أمير المؤمنين عشرين عاما، والأخ الأكبر يكون بمنزلة الأب وله إحترام كبير.
هذا الرجل يجيء إلى الإمام، وهو أخوه وأكبر منه بعشرين عاما، وهو رجل فقير لايملك شيئا وقد ركبته الديون، ليس الدَيْن فقط بل فوق ذلك، كان وضعه العائلي مُختلا، ليس لنا مجال لكي نفصل أكثر، ولكن سنبين باختصار لماذا كان عقيل فقيرا؟
لماذا كان عقيل فقيرا؟
هل كان في الدولة الإسلامية العريضة في عهد أمير المؤمنين فقير؟ ظاهر كلامه (صلوات الله عليه) انه لم يكن هناك فقير في هذه الدولة، وفي الكوفة تحديدا ليس فيها فقير، وفي رواية ان الإمام كما ينقل عنه في احدى خطبه، إنه أغنى كل الناس في حكومته[10]، وفي رواية ثانية مذكورة في نهج البلاغة (ولعل هنالك بالحجاز أو اليمامة)، يقول (لعل) ربما يوجد هناك فقير، والحجاز منطقة بعيدة عن العاصمة، وليس في العاصمة (لعل هناك بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالقرص ولا طمع له في الشبع)[11].
ان الإمام عليه السلام ليس حاكما يجيء ليخطب ويذهب، فالناس كانوا ينهضون ويعترضون عليه، وقد كان المنافقون يعترضون على الإمام، فالأشعث كان يقوم ويعترض على الإمام إذا كان الإمام – نعوذ بالله- يقول خلاف الواقع وهذا افتراض محال.
في احدى المرات رأى الإمام سائلا (فقيرا) فلم يقل من هذا بل قال (ما هذا؟) أي ما هذه الظاهرة؟ ففي الدولة الاسلامية تحول الكل الى أغنياء، فقد أعطى لكل الأفراد رزقاً ومالاً وبيتاً أو ما أشبه بذلك، فكيف يكون هناك فقير ومن هو؟
انه عقيل، حيث كان كريما بل كرمه يفوق الحدود، فهو كان إلى جانب الإفراط، ويعطي بلا حساب، ان الانسان عندما يكون كريما فهذا امر جيد، ولكن أن يكون كريماً فوق الحدود فهذا فعل خاطئ، (ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً)[12].
لقد صار فقيرا وركبته الديون، بمائة ألف، واختل وضعه العائلي (وقد أملق) بمعنى أفتقر (حتى استماحني من برّكم صاعا)، فجاء الى الإمام وطلب منه ثلاثة كيلوغرامات من الحنطة، لكن حنطة من كانت؟ انها حنطة المسلمين الموجودة في بيت المال وليس حنطة علي صلوات الله عليه، اي كان يريد فوق حقه، (ورأيت صبيانه شعث الشعور)، شعور رؤوسهم ملبّدة بالوسخ، فالذي لا يملك مالا لا يمكنه الاغتسال، وكانوا (غبر الألوان) وألوانهم شاحبة، فمن هم هؤلاء الأطفال؟ انهم أبناء أخ الإمام، والامام عمهم ويراهم بألوانهم المتغيّرة وشعور رؤوسهم الوسخة من شدة الفقر، (كأنما سُوّدت وجوههم بالعِظلم) والعِظلم نبات وصبغ أسود كانت تُسوَّد به الاشياء، وكأن وجوههم سوداء من شدة الفقر، ويقول الامام صلوات الله وسلامه عليه (وعاودني مؤكداً)[13] أي كرر عليَّ القول اكثر من مرة، فهل باعه الامام دينه؟، كلا لم يبعه دينه، وهل أعطاه ثلاثة كيلوغرامات من الحنطة؟ كلا لم يعطه كيلوغراما واحدا من الحنطة.
هذا هو أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، لأنه يرى الآخرة ولقاء الله سبحانه، وقد عانى الإمام من هذه الحالة، ألم يقم طلحة والزبير ضد الإمام، كما ذهب أصدقاؤه الى معاوية او هربوا إليه، فقال الناس إن فلانا هرب إلى معاوية، وقال الامام (والله لم ينفروا من جور ولم يلجؤوا إلى عدل) [14] فالامام لم يظلمهم. لكن الإمام كان صامداً، لأنه توجد في حساباته الدنيا والآخرة.
إن الإنسان عندما يواجه أمامه الشبكة الإجتماعية المحيطة به، أبيه، عمه، خاله، إبنه، زوجته، يجب أن يكون مداريا ولا يشتد، بل يتعامل برفق معهم، ولكن إذا رأى أن تعامله هذا خلاف الدين يجب ان يقف امام ذلك ولا يبيع دينه للدنيا ولا يبيع آخرته لدنيا غيره.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتمسكين بخط أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وأن يرزقنا في الدنيا زيارته وفي الآخرة شفاعته وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

  • من محاضرات آية الله السيد محمد رضا الشيرازي
    [1] – البقرة: 138.
    [2] – أعيان الشيعة، ج: 7، ص: 235.
    [3] – محمد: 36.
    [4] – آية الله العظمى السيد آقا حسين القمي: هو السيد آقا حسين بن السيد محمود بن محمد بن علي الطباطبائي القمي الحائري من أجلّاء العلماء ومشاهير المراجع، ولد في قم في سنة 1282هـ، ومنذ أن نقل السيد القمي حوزة درسه إلى كربلاء وإلى جانبه السيد الميرزا مهدي الشيرازي، وجدت هذه الحوزة بشخصه عاملاً للحركة والنشاط، نظراً لأن عدداً من خيرة أصحابه وتلامذته انتقلوا معه إلى كربلاء وأسهموا بدورهم في تحريك النشاط التدريسي بحوزتها. لقد اشتهر القمي (رحمه الله) إلى جانب علمه، وفضله، وعدله، وتقواه، بتحمسه الشديد لإصلاح حالة المسلمين، والنهوض بشجاعة في وجه أي مجرى منحرف، أو مسار يراه فاسداً، وفي هذا المجال، عرف عنه سفره التاريخي إلى إيران بصحبة عدد من أبرز أصحابه منهم المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي حيث قام بتعبئة الرأي العام الإسلامي ضد الخطوات والإجراءات الحكومية في ذلك الوقت، والتي رأي فيها ما يخالف شرعة الدين الإسلامي الحنيف. وقد وافته المنية وهو يعالج في أحد مستشفيات بغداد عام 1366هـ.
    [5] – نهج البلاغة، الخطبة: 224.
    [6] – آل عمران: 192.
    [7] – آل عمران: 199، المائدة: 4، ابراهيم: 5، غافر: 17.
    [8] – القيت هذه المحاضرة بتاريخ 18 رجب 1417، وفي صبيحة يوم الأحد 26 جمادى الأولى من سنة 1429 هجرية الموافق 1/6/2008م، انتقل إلى رحمة الله تعالى العالم الرباني الفقيه المقدس الورع آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (رضوان الله عليه) بقم المقدسة في ظروف غامضة. (انا لله وانا اليه راجعون)
    [9] – مصباح المتهجد: ص 593.
    [10] – بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 40 – ص 327: فضائل أحمد: قال علي عليه السلام: ما أصبح بالكوفة أحد إلا ناعما، إن أدناهم منزلة ليأكل البر ويجلس في الظل ويشرب من ماء الفرات.
    [11] – نهج البلاغة: ج 3، ص 73، الخطبة 45.
    [12] – الاسراء: 29.
    [13] – راجع: نهج البلاغة: ج 2، ص 217، الخطبة 224.
    [14] – نهج البلاغة: ج 3، 131. من كتاب له (ع) الى عامله على المدينة سهل بن حنيف الانصاري.

التعليقات مغلقة.