عن اللغة، وفخ السذاجة المتعمد.!

قيس قاسم العجرش
سألني أحد الصحفيين(قبل 8 شهور)؛ هل صحيح أن الأمريكان(ما نِطوا تأشيرة لعبد المهدي؟),…
السؤآل بأكمله استوقفني. قلت: لحظة!، أنت تسأل عن عدم حدوث زيارة لعبد المهدي الى الولايات المتحدة، صح؟.
أجاب؛ نعم، صح. طيب،إذا كانت إجابتك صح، إذن، كيف سقطتَ بسهولة في فخ السذاجة المتعمد؟…..عندما نقول:إن الأمريكان(مانطوا تأشيرة) لعبد المهدي، هذا معناه أنه ذهب ووقف في طابور في السفارة الأميركية، واصطحب معه استمارة طلب التأشيرة، وكل المستمسكات المطلوبة مع جواز سفره، ثم رفض الموظف المعني طلب عبد المهدي وأعاد له جوازه وعليه كلمة(Rejected). فهل تتصور(وأنت الصحفي) أن هذا الحدث قد حصل فعلاً؟. إذا كانت تصوراتك قد اخذتك الى تخيّل هذا المشهد، فالأولى أن تراجع معلوماتك عن كيفية الترتيب لزيارة رئيس الوزراء(أي رئيس ولا أعني عبد المهدي تحديداً) الى أي دولة (ولا أعني الولايات المتحدة تحديداً).
أجاب صاحبي:لا، ولكن أعني انهم لم يوافقوا على طلبه لزيارة واشنطن، فهل هذا صحيح؟. ايضاً هناك كررت(للدقة) سؤآلي؛ هل تتصور أن عبد المهدي قدّم طلباً مكتوباً الى الجهات الأميركية وهؤلاء رفضوا؟ أو أنه طلب من الامريكان زيارة الولايات المتحدة عبر اتصال هاتفي؛(بيهة مجال أحصّل على تأشيرة؟!)، لكن بومبيو(مثلاً) أجابه: الله كريم، راح نشوف!، وراح ننظر في طلبك!. ام إن الأمور أصلاً تجري في العادة عبر قنوات تعفي أي مسؤول(ولا أعني ايضاً عبد المهدي) من ضرورة الوصول الى مرحلة وجود طلب مكتوب، ليتاح بعدها لمسؤول أميركي أن(يرفض!)هذا الطلب. وإذا كان المعنى يتعلّق بطلب ترتيب زيارة، فلماذا جرى حشر كلمة (تأشيرة) في السؤآل المبكر؟.
ببساطة، سقط صاحبي الصحفي في فخ السذاجة المتعمّد. أن يُساق السؤآل وهو معلول بكلمة خارج إطار العقلانية، كلمة واحدة، بينما تأتي باقي الكلمات لتبدو وكأنها سؤآل حقيقي عن حدث مُمكن الحصول. الذي أشاع ترديد هذا السؤآل (بهذه الصيغة) قبل 8 شهور، يعلم علم اليقين أنه كان يسوق ظرفاً غير منطقي، لكن ضمن غلاف لغوي(ينفع) أن يُلقى كسؤآل في الشأن السياسي.
رويترز، الرصينة، والتاريخية في عالم الأخبار سقطت مراراً في الشأن العراقي بهذا الفخ. في آب 2018، نشرت خبراً عن (نقل صواريخ إيرانية الى العراق، وتطوير هذه الصواريخ في العراق، وانها معدّة لحماية مصالحها وامتلاك وسيلة لضرب خصومها بالمنطقة).. هذه كانت كلمات رويترز، نقلاً عن مصادر غير مسماة في جهاز المخابرات العراقي. لكن فخ السذاجة (المتعمّد) في تقرير رويترز، يدفعني للسؤآل؛ هل إن الكلمات ما بعد عبارة (لحماية مصالحها…الخ)، هل هذه مما يُصنف على انه أخبار أم إنها تحليل وتنبؤ؟. ولماذا تسمح رويترز بأريحية بالغة لمحررها أن ينقل عن (مجهولين) كلّما تعرّضت للشأن العراقي، بل ويتنبأ ايضاً؟.
لنسأل: لماذا لا تنقل رويترز عن (مجهولين) في باقي تقاريرها؟. وتكرر رويترز مرّة أخرى زراعة هذه الفخاخ في تقريرها الأخير عن (إخفاء) آلاف حالات الإصابة بوباء كورونا من قبل السلطات العراقية. نقلاً عن مجهولين ايضاً. بل تحدد عدد الإصابات غير المعلن بأنه 9000 إصابة!. (غير معلن)، وليس (غير مكتشف). يعني أن السلطات العراقية تعلم بهذه الإصابات، وهي حقيقة محققة لكن لم يجر الإعلان عنها. 9000 آلاف أخفاهم العراق، لكن لم تشرح لنا رويترز كيف تمكن العراق من إخفائهم، وفي نفس الوقت (علاجهم!)، لأنه من غير المعقول ان 9000 مصاب لم يتوفى منهم اي شخص!. والمفروض ان هناك على الاقل 900 متوفي بينهم، فكيف رتّبت السلطات العراقية إتفاقاً مع 900 عائلة عراقية على أن تخفي سبب الإصابة لأمواتهم؟. ومن أين جائت القدرة على تمرير 9000 فحص موجب (سرّي) في مختبر مركزي واحد، وإسكات كل العاملين والاطباء وممثلي منظمة الصحة العالمية، فقط كي يبدو أن ما جاء في تقرير رويترز هو الحقيقة.
الأولى بنا ألّا نكون بهذه السذاجة ونظن في هذا السلوك هو (غلطة محرر!)، ابداً لا يمكن أن يكون هذا السلوك مجرّد خطاً.

التعليقات مغلقة.