ملف انفجار مرفأ بيروت.. بین تطبيق القانون وتحقيق العدالة

العهد نيوز- متابعة

هل سلك القاضي طارق البيطار طريق السياسة تحت عنوان كشف حقيقة انفجار مرفأ بيروت؟

في 19 فبراير شباط 2021 عُين طارق البيطار كثاني قاض يقود التحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت بعد القاضي فادي صوان الذي أقالته محكمة التمييز اللبنانية نتيجة قانون الارتياب المشروع الذي تقدم به الوزيران السابقان علي حسن خليل وغازي زعيتر.

منذ تسلم القاضي طارق البيطار ملف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت انتظر اللبنانيون نقلة نوعية مغايرة لسلفه وخاصة الطريقة الانتقائية التي ميزت مسار التحقيق, فما أن بدأت التسريبات الإعلامية تتسلل للرأي العام عن تفاصيل التحقيق بدأت التساؤلات حول مصادر هذه التسريبات وأهدافها, خاصة أنه في جانب منها تُعد مخالفة لسرية التحقيق القضائي في مثل هذه القضية الوطنية الخطيرة. حيث كانت تنشر عبر وسائل الإعلام معلومات عن توجيه القاضي اتهامات ودعاوى على شخصيات حكومية ونيابية تنتمي إلى طيف سياسي معين وعن الادعاء على أشخاص حتى قبل أن يُصدر القاضي بيطار قراره الادعائي عليهم. فضلا عن إصدار مذكرات جلب بحق شخصيات سياسية مدعى عليها حتى قبل الاستماع لإفاداتها من ناحية أخرى. ومن بين الشكوك بنزاهة تحقيق القاضي بيطار التي تُطرح في الأوساط السياسية والإعلامية وحتى الشعبية حاليا ما يتعلق بمدى شفافية التحقيق الذي يُفترض أن يصل إلى الحقيقة في انفجار المرفأ وما يرتبط بتسييس الملف وأخذه باتجاه معين عبر الاتهام السياسي الغير مستند إلى مبررات قانونية حقيقية بينما أصول التحقيق تقتضي أن تُبنى على القرائن والأدلة لتكون مستندا له في ذلك .

أكثر من هذا تُطرح في لبنان تساؤلات حول أنه لماذا كان تصويب القاضي بيطار على جهة سياسية معينة دون سواها وعلى أشخاص دون غيرهم علما أن ملفا بهذا الحجم يجب ان تكون المقاربة فيه دقيقة حتى لايقع ما وقع به القاضي العدلي بحسب المطلعين.

مسألة أخرى تستدعي التوقف عندها تتعلق بتجاوز القوانين والمواثيق الدستورية في عملية الطلب لرفع الحصانة عن الوزراء والنواب وهذا ما دفع بالأغلبية النيابية للتوقيع على عريضة “رفع الحصانات” بالمطلق لكي يتساوى الجميع في المسؤولية والمحاسبة معا بقصد حماية ملف القضية من أي ارتدادات قانونية تنعكس سلبا على مسار التحقيق .

من هنا أخذ الارتياب منذ ذلك الحين طريق الشك بشفافية القاضي البيطار واتهامه بالسلوك السياسي القصدي والانتقائي وهذا ما يُضعف من موقفه وموقعه في القضية ويؤكد أنه ضل طريقه بتصويب مقصود ومدفوع مسبقا نحو الهدف الذي اعلنه عبر لائحة الاتهامات والاستدعاءات التي باتت معروفة بحسب كثيرين.

وبحسب المطلعين على القضية فإن القاضي بيطار وقع في فجوات كثيرة منها تسطيره ادعاءات بمسؤولين يتخذون سلطة الإشراف فقط كوزراء الأشغال السابقين فيما المطلوب أن يتوازى ملف التحقيق مع مسار مساءلة كل من يرتبط بملف المرفأ من بعيد أو قريب خاصة وأن الاخبارات الأمنية التي أودعت مجموعة من القضاة لم يشملها البيطار في إجراءاته متخذا قرار إنشاء محكمة خاصة بهم وهذا بالقانون يتعارض مع العنوان العريض لمواكبة التحقيق الذي يجب أن يساوي بين الجميع .

الموضوع لم يتوقف عند هذا الحد من التوجس والتشكيك بنزاهة القاضي البيطار فحسب بل ما دعم تلك الشكوك وعززها هو حملات التحريض السياسية والإعلامية المحسوبة على بعض الأحزاب كالكتائب والقوات اللبنانية وبعض المسؤولين اللبنانيين المنسقة مسبقا مع الجهة الداعمة لهم وخاصة التحريض المباشر وغير المباشر للسفارة الأميركية لاستهداف فريق الثامن من آذار والشخصيات المحسوبة على محور المقاومة .

هذه الأسباب وغيرها من المعطيات باتت تؤكد بوضوح الاستنسابية والتسييس الذين دفعا بالوزراء السابقين المدعى عليهم من جانب القاضي بيطار بالتقدم لاتخاذ “قانون الارتياب المشروع” ممرا منصفا لمخاصمة القاضي بيطار والطلب بتنحيته لعدم أهليته القانونية المرتكزة على جملة المخالفات، هذا عدا عن مواقف أخرى اعترضت على المغالطات الطريقة التي يدير بها القاضي البيطار ملفا حساسا وبالغ الخطورة كقضية انفجار مرفأ بيروت الذي وصف بأكبر انفجار في العصر الحديث من حيث الحجم والمكان وعدد الضحايا والأضرار التي خلفها ما دفع بكبار الشخصيات السياسية للتوقف عند تداعيات الاستمرار بأسلوب البيطار في التحقيق المتبع حيال القضية .

وما يعزز فرضية التسييس هذه هو أن الانتقاد والاعتراض لم يتوقف على جهة واحدة بل طال مروحة سياسية ودينية وحزبية واسعة انطلاقا من نادي رؤساء الحكومات السابقين الذين اكدو رفضهم للطريقة التي اتبعها القاضي بيطار الفاقدة للمسوغات القانونية اولا والمستندة على أجندة اتهامات مسبقة الإعداد ثانيا، خاصة ما يتعلق بمذكرة الاتهام بحق رئيس الحكومة السابق حسان دياب ليلتقي هذا الرفض بموقف واضح من دار الفتوى على لسان المفتي عبد اللطيف دريان الذي انتقد بشدة سلوك التحقيق معتبرا أنه يشكل تضليلا للرأي العام وإعداما للحقيقة المطلوبة وتسديدا باتجاه واحد .

الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله كان حذر أكثر من مرة من تسييس التحقيق في انفجار المرفأ منتقدا في اكثر من خطاب له القاضي بيطار الذي يحقق في الانفجار، مطالبا إياه بالاعتدال وعدم رهن الحقيقة المرجوة لمصالح لا تمت للحقيقة بصلة داعيا إياه بتقديم دليل يدعم قراره باستدعاء المسؤولين الحاليين والسابقين للاستجواب في القضي دون استنسابية وبعيدا عن التسييس.

وقال السيد حسن نصر الله ما حرفيته . “إما أن تعمل بطريقة واضحة أو يجب على القضاء إيجاد قاضٍ بديل عنك” في وقت كان لافتا امتعاض رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كان واضحا في كلمته بذكرى تغييب الإمام موسى الصدر في انتقاد القاضي البيطار لسلوكه الاستنسابي في معالجة الملف محذرا إياه من الوقوع في شرك الموسوسين ومطالبته بتطبيق القوانيين بدءا من الدستور لا بالقفز فوقها بانتقائية وتحيز بحسب نعبيره رئيس المجلس النيابي.

وما يدعم كلام السيد نصرالله وبري والأوساط السياسية الاخرى من أن مقاربة البيطار تفتقد للكثير من المعطيات الحسية والمادية في توجيه الاتهامات المبرمجة هو توجيه بعض الأحزاب لتحركات أهالي الضحايا باتجاه اتهام أطراف محددة دون أخرى وخاصة تلك التي استثناها القاضي بيطار

تقول بعض المصادر الوثيقة بأن ما يجعل الارتياب بالتحقيق من جانب القاضي بيطار أمرا مشروعا لمواجهة التسييس والاستنساب هو إجماع أكثر من طرف لبناني على هذا الامر وخاصة ما يتعلق بأسباب الانفجار بدءا من هوية مستورد نيترات الأمينيوم التي انفجرت في المرفأ وصاحبها والمسؤول عن شحنها الى مرفأ بيروت ولأي جهة كانت تستورد ومن الذي حصل على الكمية التي فُقدت قبل الانفجار وما علاقة ذلك بالحرب على سوريا وما علاقة ما اكتُشف مؤخرا في منطقة البقاع شرق لبنان من كميات كبيرة من نيترات الأمونيوم لدى الأخوين صقر المحسوبين على القوات اللبنانية والتي تطابقت أوصافها مع نيترات مرفأ بيروت دون أن يبت التحقيق فيها حتى الآن.. كل ذلك شكل محطة مريبة شكلت شرعية بالتشكيك الى حد اتهام القاضي بمجافاة الحقيقة و محاولة طمسها ببدائل واتهامات واهية بنظر الثنائي الوطني الشيعي مرورا بتيار المستقبل وليس انتهاء بتيار المردة الذي اتخذ وزيره السابق يوسف فنيانوس المدعى عليه من القاضي بيطار إجراء المخاصمة والادعاء على البيطار انطلاقا من الاستفادة بالطعن على قاعدة الحق باللجوء الى قانون “الارتياب المشروع” نتيجة الظلم ومجافاة الحقيقة التي تنعكس سلبا على التحقيق ونتائجه المرجوة كما قال. كذلك بعض المستقلين كالنائب نهاد المشنوق المدعى عليه أيضا والذي اتهم بشكل صريح أحد مستشاري رئيس الجمهورية مباشرة بالتحريض عليه .

من هنا تنطلق هذه المواقف حول تعليل الأسباب التي اختبأ خلفها القاضي البيطار لتطرح المزيد من التساؤلات عن أهداف سلوكه القضائي ومن يقف خلف أجندته الاتهامية التي استثنت عددا كبيرا من الأشخاص في سدة المسؤولية الأمنية والسياسية والعسكرية والقضائية من أعلى الهرم إلى أسفله ولمصلحة من يجري ذلك في وقت الجميع متفقون على إنصاف التحقيق بالقضية انطلاقا من الحرص على حق ذوي الضحايا والمتضررين .

إرتياب اخر يطرح نفسه في هذه القضية وهو ما يتعلق بالكم الهائل من التسريبات حول مسار التحقيق والتي ما زالت مستمرة وهو ما يُعتبر خرقا للقانون لأن التحقيق لم ينته بعد. هذا بالإضافة الى إفصاح القاضي البيطار عن فرضيات وتغييب أخرى مثل الأسباب التي أدت إلى كارثة المرفأ ولمصلحة أي جهة خزنت في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت والتساؤل عن الكميات التي خرجت قبل الانفجار وإلى أين ذهبت باعتبار أن ما تفجر منها هو أقل من الذي كان موجودا أصلا بأطنان وما الرابط بين سيناريو النيترات من ألفه إلى يائه بالجماعات التكفيرية التي كانت تقاتل في سوريا وتفجر في لبنان .

كل ذلك يدفعنا كمراقبين وإعلاميين أن نقدم للرأي العام الحقائق التي يجب أن تشكل المسار الحقيقي والمنطقي لسلوك القاضي بيطار في هذه القضية سيما وأنها تتقاطع وحملة شعواء تشنها بعض الجهات المرتبطة بالأجندة الغربية وخاصة الأميركية ذات الأهداف المعلومة مسبقا ضد المقاومة وحلفائها. ختاما ما ضاع حق وراءه مطالب وما بان حق خلفه مضلل ومضللون فكيف إذا كانت العدالة المطلوبة شريكة بهدر الوقت وتضييع بوصلة الحقيقة ودائما على قاعد التسييس والاستنساب فالكل يريد الحقيقة الشفافة والمتوخاة ..

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: