زيارة الأربعين.. طاقة امة

محمد عبد الجبار الشبوط

فيما اواصل كتابة حلقات “قراءة في الثورة الحسينية”، تتعاظم وفود الذاهبين مشيا على الاقدام الى ضريح الامام الحسين لاداء مراسم زيارة الاربعين. زيارة الامام الحسين في الاربعين وغيره شعيرة دينية ولا شك بالنسبة للمؤمنين بمدرسة ائمة اهل البيت الفقهية. فقد تداول هؤلاء احاديث عن ائمتهم في هذه الزيارة منها على سبيل المثال ٣٨ حديثا اوردها الشيخ المفيد (ت ٤٦٠ هجرية) في كتابه الموسوعي “تهذيب الاحكام”. يهمني منها بهذه المناسبة حديثان. الاول، وهو الحديث الذي يحمل الرقم ٣٧ في التهذيب المروي عن الامام الحسن العسكري والذي جعل فيه “زيارة الاربعين” احدى “علامات المؤمن” الخمس.

واما الحديث الثاني فهو الوارد تحت الرقم ٤ والمروي عن الامام الصادق والذي ذكر فيه الزيارة مشيا حيث قال ان من يخرج لزيارة الحسين “ماشيا كتب الله له بكل خطوة حسنة وحط بها عنه سيئة”. غير ان المهم ان نلاحظ هنا ان زيارة الاربعين لم تتوقف عند كونها “شريعة دينية” تخص المؤمنين بها فقط، بل تحولت الى “ظاهرة اجتماعية” يزداد عدد المشاركين فيها كل عام.

فمن عدد قليل من الافراد كانوا يؤدون هذه الشعيرة قبل حوالي الف سنة، الى الملايين من الناس الذي يتوجهون الان الى كربلاء لاحياء هذه المناسبة الدينية. والظاهرة الاجتماعية احدى الموضوعات المهمة والمعقدة في علم الاجتماع والتي يمكن تعريفها بصورة عامة بانها “بأنها عبارة عن مجموعة النظم والقيم الاجتماعية والقواعد والعادات والتقاليد والاتجاهات بشكل عام التي يقوم باتباعها وممارستها الأفراد في المجتمع الواحد، ويشكلون من خلالها أساسا من أجل تنظيم حياتهم بشكل عام والعمل على تنسيق العلاقات التي تربط فيما بينهم ومع بعضهم البعض”.

وهذا التعريف ينطبق تمام الانطباق على ظاهرة زيارة الاربعين التي صار بمقدور العراقيين عامة من خلالها تجسيد العديد من القيم الاخلاقية والحضارية العليا استلهاما لكل الموروث الديني والثقافي والقيمي الذي عبر عنه الامام الحسين في كلماته المهمة مثل قوله:”ومثلي لا يبايع مثله”، وقوله:”انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي”، وبدمج هاتين العبارتين المركزتين نستنتج ان الامام الحسين كان مثالا لمنظومة خلقية ومبدئية تأبى الخضوع لمنظومة اخرى يمثلها يزيد، وان الحسين خرج متسلحا بهذه المنظومة من اجل اصلاح “امة جده” التي اخذ الانحراف في منظومتها الخلقية ينخر فيها منذ اللحظات الاولى لوفاة الرسول لتصل الى ذروة ازمتها الاخلاقية بتحول “خلافة رسول الله” الى ملك وراثي استبدادي يجيز لشخص مثل يزيد ان يجلس على مقعد الحكم الذي كان مخصصا لخلفاء النبي الشرعيين المكلفين اصلا بحفظ منظومة القيم التي بشر بها من خلال القران الكريم، لتكون الاساس الذي بسببه تكون امة محمد “خير امة اخرجت للناس”.

مع الحسين، نكون في مواجهة ازمة اخلاقية وقيمية وحضارية تصدى لها الحسين واستشهد من اجل القضاء عليها، في ذلك المشهد المأساوي الذي كان ومازال من الصعب على الانسانية ان تنساه او تخفف من حدته.

لكن المشكلة الاساسية ان تلك الازمة الخلقية والقيمية والحضارية مازالت موجودة تنخر في جسم الامة، ما يعني ان التحدي مازال قائما. واذا كان الحسين ذهب الى ربه ليكون سيد شهداء الجنة، فان “المؤمنين” الذين يتوجهون كل عام لزيارته هم الذين يتحملون شرف مسؤولية التصدي للازمة القيمية، واصلاح ما افسدته من امور امة محمد وشؤونها. ان الكتلة البشرية التي تتوجه الى كربلاء كل عام تختزن طاقة هائلة يمكن حسابها وفق معادلة اينشتاين (الطاقة=الكتلةx مربع سرعة الضوء). وهذا طاقة تكفي لتعديل مسار التاريخ الخاطيء واقتلاع الفساد من جذوره ووضع المجتمع الاسلامي على السكة الصحيحة.

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: