خمسة ايام في مقايس الانسانية اعادت الخضرة للاغصان

ما أقساها تلك الكلمات التي نقلتها محامية الأسير يعقوب القادري والذي قال انه عاش خمسة ايام هي الاجمل في حياته حيث راى فلسطين وسار في شوارعها وتناول فاكهة من حقولها وقبّل اطفالا فلسطينيين شاهدهم في احد شوارعها.

خمسة أيام في عمرنا لا تساوي شيئا لكن في عمر هؤلاء الذين حرموا الحرية لعقود تساوي الكثير، خمسة أيام عاشوا فيها دون ان يستيقظوا على صوت السجان وهو يناديهم كي ينهضوا للعدد، خمسة ايام شاهدوا فيها السماء دون الاسلاك المتقاطعة، خمسة ايام لم يسمعوا فيها صوت الاقفال المزعجة، خمسة ايام شاهدوا النجوم دون الاضواء الكاشفة التي تقلب الليل نهارا، نحن نعد الايام عدا لكنهم يعيشونها بتفاصيلها بثوانيها ودقائقها وساعتها، يروي عميد الاسرى الفلسطينيين نائل اليرغوثي والذي قضى اكثر من اثنين واربعين عاما في الاسر ومازال ، عن زنزانته في احد السجون كيف كان يرى من شباكها الصغير فناء لا بناء فيه وكيف شاهد الفناء وقد اصبح بناء وكيف سكن البناء شاب وشابة وكيف شاهدهما يسيران في حديقة البناء وكيف شاهد الشابة وقد اصبحت حاملا وكيف شاهد بعد ذلك الشاب والشابه يحملان طفلهما ثم كبر الطفل وبات يركض هو ايضا في حديقة المنزل ، كل هذه الاحداث وهذا الزمن مر والبرغوثي في ذات الزنزانة يراقب حركة الارض وهو ثابت جامد تتغير ملامحه ويشيب شعره لكن المكان وبرودة الجدران لا تتغير وكان البرغوثي قد قال يوما ان باب الزنزانة تغيّر ثلاث مرات وأن سجانا اسرائيليا تقاعد بعد سنوات وخلفه ابنه سجانا مكانه ، تخيل أن قائد عملية التحرر الذاتي محمود العارضة قد مرت في ربع قرن عليه وعلى مجتمعه احداث جسيمة شاهدها عبر التلفاز وتابعها من صفحات الضحف ، وصلت السلطة الى رام الله وباقي مدن الضفة ثم انتفاضة ثانية ومر اجتياح الضفة الغربية تلاه غياب ياسر عرفات وجاء ابو مازن لقيادة المنظمة والسلطة ثم سيطرت حركة حماس على المشهد وصولا الى الانقسام الذي عصف بالفلسطينيين واحداث واحداث غيرت وجه التاريخ ووجه العارضة يراقب فقط يراقب لا اكثر، الزمن يمر كارقام يمر قي مخيلتنا او تذكره السنتنا لكن بالنسبة للاسير الثانية لها معنى وفيها حقيقة والدقيقة دهر من العذاب والالم والساعة فناء الدنيا بالنسبة لهذا الاسير، ان الارض تبقى هي الارض لا تتغير مع فعل الزمن وحتى تلك المستوطنات التي تعلو رؤوس الجبال يوما ما حين تتغير معادلة القوة ستزول او ستكون حقا مكتسبا للفلسطينيين ، لكن في الاعتقال وجوه تهرم واجساد تشيخ وخلايا لا تقوى على التجدد وعيون ترى الكتاب من خلف زجاجات في اطار عظمي داكن اللون، هؤلاء بقوة مقاومة او انجاز مفاوض يجب انهاء معاناتهم فالانسان اغلى ما يملك الوظن ، لا بل ما قيمة الوطن بلا انسان يحمل جنسيته ويدافع عنه ويكون له درع وسيف ، إن الجدار البارد المرتفع المحيط بالاسرى تم اختراقه وتم ازالة اللبنة الاولى منه وعلى الشارع بجماهيره وفعله وتحركه وحراكه وعلى السلطة بدبلوماسيتها المنتشرة في انحاء العالم وعلى المقاومة بما تملكه من رصيذ على الارض من جماهيرية وإسناد وما تملكه من اسرار ان يهدموا باقي الجدار ولو لبنة اثر الاخرى ، فليرجأ كل شيء بمعنى كل شيء ولتبقى قضية الاسرى هي المركزية لانها تتعلق بنفوس تسقط اوراقها الخضراء في كل يوم ورقة وخشيتي ان لا تبقى في الاغصان .

فارس الصرفندي

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: