زيباري مرشحا لدولة السخرية بالنزاهة

علي الصراف..

“جمهورية الفساد” التي خدم السيد زيباري في حكومتين منها مكشوفةٌ فضائحُها وليس من الحكمة بمكان أن يُحوّل نفسه إلى كبش فداء لها فتُلصق به مصائبها هو الذي تكفيه مصائبه منها.

كيف تقدم إلى الترشيح وهو يعرف أنه متهم بالفساد

ينص الدستور العراقي، بين شروط أخرى، على أن يكون المرشح لمنصب الرئيس عراقيا بالولادة ومن أبوين عراقيين، وذا سمعة حسنة وخبرة سياسية، وأن يكون من المشهود له بالنزاهة والاستقامة والعدالة والإخلاص للوطن، وغير محكوم بجريمة مخلة بالشرف.

جزء مهم من هذه المواصفات الدستورية لا ينطبق على هوشيار زيباري، ما يجعل ترشيحه في منافسة الرئيس برهم صالح مجرد مناكفة غير ضرورية، وضارة بالسيد زيباري نفسه.

بعض الفضائح تتطلب سترا. والعراقيون يرددون “يا رب الستر” ربما لكثرة فضائحهم، أو ربما لكي لا يتعرضوا لها. وأحسب أن السيد زيباري ليس عراقيا من هذه الناحية، لأنه لم يطلب الستر ولا لمرة واحدة في حياته. وهو ما جعل فضائحه مكشوفة. ذلك لأن “الستّار” لم يُستنجد لكي يتدخل لمساعدته. وحتى لو فعل، لكان السؤال الأول الذي يوجهه للسيد زيباري هو: هل تركت شيئا يعتب عليك؟

السيد زيباري مشهود له بالفساد، بحسب القرار الذي أصدره مجلس النواب في الثاني عشر من سبتمبر من العام 2016 وأدى إلى سحب الثقة منه وطرده من وزارة المالية بحضور 249 نائبا.

وعندما طعن زيباري بقرار طرده أمام المحكمة الاتحادية العليا، فقد رفضت المحكمة الطعن في السابع والعشرين من نوفمبر 2017، وصادقت بالتالي على قرار سحب الثقة منه، وهو ما يرقى إلى مستوى حكم جنائي يجعل من زيباري غير مؤهل دستوريا للترشح لأي منصب حكومي، دع عنك أن يكون رئيسا للجمهورية، أو حتى فرّاشا في مكتب رئيس الجمهورية. كما يجدر أن يُمنع من الاقتراب من وزارة المالية خاصة بمسافة 5 كيلومترات على الأقل.

زيباري لا يستطيع الزعم أنه شخصية وطنية عراقية.. ونبش تصريحاته المعادية للعراق كوطن، سوف تثير ضده من “عجاج” الهجمات وغبارها ما يجعله عاجزا عن تمثيل البلد الذي يكره في قرارة نفسه

ولئن قال زيباري إن الاتهام بالفساد كان نتيجة لاستهداف سياسي من جانب نواب كتلة “دولة القانون” التي يترأسها نوري المالكي، وأن جلسة سحب الثقة لم تكن قانونية، فالحقيقة هي أن زيباري خدم في حكومة المالكي كوزير للخارجية لنحو عقد من الزمن، ولم يتعرض خلالها لـ”استهداف سياسي”، لاسيما وأن توليه لهذه الوزارة لم يكن هو نفسه خاليا من الشبهات. ومن بينها تعيين الأقارب ومحاباتهم وابتعاثهم للعمل في سفارات العراق في أوروبا.

لجنة النزاهة النيابية عندما عادت إلى ملفات زيباري قالت في الخامس عشر من فبراير 2018 إن وزير الخارجية السابق عيّن شخصيات كردية لتولي مناصب السفارات والقنصليات العراقية في الخارج، وإن تلك الشخصيات لا تهمها مصلحة العراق وأمنه وسيادته. وبعض السفراء الأكراد لا يمثلون العراق بين دول العالم ويرفعون علم إقليم كردستان في السفارات العراقية بدلاً من العلم العراقي.

نواب من مختلف الأعراق والتوجهات السياسية وجهوا دعوات رسمية لمنع ترشيح زيباري. وتقدموا بمذكرات فصّلت الأسباب، من دون أن يكون بينها أي سبب سياسي، واقتصرت على المطابقة بين المؤهلات المطلوبة للترشيح وبين سجل الاتهام التي ما تزال تلاحق زيباري.

النائبة عالية نصيف قالت “إن الاتهام بالفساد لا يسقط بالتقادم. وترشيح شخص مُقال بسبب الفساد لمنصب رئيس الجمهورية هو استهانة بالدولة والقانون وبالسلطة التشريعية المسؤولة عن تشريع القوانين التي يطبقها القضاء”.

وقال النائب السابق هوشيرا عبدالله في تغريدة على تويتر “كل الذين يقبلون ويهللون لترشيح زيباري ويُغلّسون على ملفات فساده، یجب أن يخجلوا من أنفسهم عندما يدّعون بأنهم يحاربون الفساد. أما الذین یدّعون الوطنیة وحب العراق فلیسمعوا تنظیرات زيباري ضد العراق بعد إقالته”.

كيف إذن يتقدم زيباري إلى الترشيح وهو يعرف أنه متهم بالفساد، وأن ملفاته سوف تعود لكي تُفتح من جديد، وأن طعونا كثيرة سوف تُقدم، ليس ضد ترشحه فقط وإنما ضد فوزه إذا وقع.

الاتهامات شيء والإدانة شيء آخر بالطبع. ولكن الضجيج ضجيج، ومجلس النواب هو بمثابة محكمة عليا من الناحية العملية

بمعنى آخر، فإن الفضيحة التي سترتها الأيام سوف تعود لتندلع من جديد على مستوى أعلى، وتثير ضجيجا أكبر من كل ما سبق. وما عطّل الاتهامات أن تتحول إلى إدانات غير مرة، قد لا يتعطل هذه المرة. لاسيما إذا نكأ المرء الجرح بنفسه. وهو جرح فيه من القيح ما فيه.

ولقد كان من الأولى بزيباري إزاء ما يُتهم به أن يُطّهر سمعته أمام محكمة، ويكشف بنفسه الملفات التي يُتهم بها من قبل أن يتقدم للترشح للرئاسة، ليكون “مشهودا له بالنزاهة” كما ينص الدستور، وليس “مشهودا له بالفساد” كما ينص حكم مجلس النواب، إذا وجده ظالما أو عائقا أمام ممارسة حقوقه.

وحيث أن “جمهورية الفساد” التي خدم السيد زيباري في حكومتين منها مكشوفةٌ فضائحُها، فليس من الحكمة بمكان أن يُحوّل نفسه إلى كبش فداء لها، فتُلصق به مصائبها كلها، وهو الذي تكفيه مصائبه منها.

لا شك أنه من حق كل إنسان يرى في نفسه البراءة، وأن أملاكه وأمواله في الخارج، قد جاءت من “راتبه المتواضع”، إلا أن أبسط وجوه الحكمة تقتضي طلب الستر حيال ضجيج لا شيء يبرر الغرق فيه.

زيباري لا يستطيع الزعم أنه شخصية وطنية عراقية، بأي معنى من المعاني. ونبش تصريحاته المعادية للعراق كوطن، سوف تثير ضده من “عجاج” الهجمات وغبارها ما يجعله عاجزا عن تمثيل البلد الذي يكره في قرارة نفسه. أدنى مقاصد العقل كان أن ينظر في نفسه هو ليرى إن كان يحب أو يحترم أو ينتمي إلى هذا البلد الذي يرغب بمنصب الرئيس فيه. وهو كردي من ذلك النوع المتطرف الذي يمكن أن يدمر حتى العلاقة بين بغداد وأربيل.

صحيح أن زيباري مثّل العراق من منصبه كوزير للخارجية، إلا أن هذا التمثيل لم يكن سوى جزء من بيئة الخراب التي عمت العلاقات بين العراق والدول العربية. أما الدول الغربية فإنها كانت تحاول أن تتقبله انطلاقا من سعيها لستر فضيحتها الخاصة، بعد أن حوّل غزوها للعراق إلى مستنقع فشل سياسي وأخلاقي، واضطرت إلى قبول كل ما يطفو على سطحه من فائض الأوبئة والأمراض النفسية والسلوكية والإجرامية، وأن تقبل الفساد على أنه تحصيل حاصل.

طلب الستر ليس دعاء فقط. إنه وعي بالخطايا وخشية من عواقبها. وما من إنسان إلا ويحتاج أن ينظر في نفسه ليرى عيوبها ويسعى لإصلاحها، أو للتغطية عليها على الأقل. ولهذا السبب قيل إن المرء إذا ابتلي بمعصية، فمن الخير له أن يستتر، لا أن يفتح على نفسه “بالوعة” المستنقع لتفوح منها روائحه.

ولكن هناك نوع آخر من البشر ممن تبلّدت أحاسيسهم إلى درجة العمى، حتى لكأنهم يطلبون الغوص في البالوعة، ولا يهمهم ما يخرج منها.

هوشيار زيباري واحد من هؤلاء. وهو عندما يتمسك بترشيحه للرئاسة، فإنما ليكون مرشحا لدولة السخرية بالنزاهة، بمقاييس مجلس النواب، كما بمقاييس المحكمة الاتحادية، على الأقل. دع عنك أوجاع العراقيين مما أورثتهم دولة الفساد.

التعليقات مغلقة.