الدوافع السياسية والاقتصادية وراء تطبيع العلاقات بين الأردن وسوريا

تسارع المملكة الأردنية الهاشمية من خطاها لتطبيع علاقاتها السياسية والاقتصادية مع سوريا، فمنذ شهر سبتمبر/ أيلول من العام المنصرم بحثت عمان ودمشق العديد من المشروعات المشتركة.

تمثل التقارب الأردني السوري في العديد من الخطوات، أهمها إعادة فتح معبر جابر الحدودي، والاجتماعات المشتركة على مستوى الوزراء، والاتصال الهاتفي الذي جمع ملك الاردن بالرئيس السوري، وكذلك فتح المجال الجوي بين البلدين.

وقال مراقبون إن الأردن وسوريا تجمعهما مصالح مشتركة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، لا سيما في ظل محاولات الأردن ودعواته المستمرة لإعادة دمشق لمقعدها في الجامعة العربية.

تقارب أردني سوري

كشف وزير خارجية الأردن، أيمن الصفدي، عن دوافع بلاده من فتح رحلات الطيران بين عمّان ودمشق، والاتصال الذي أجراه ملك الاردن عبدالله، مؤخرا مع الرئيس السوري بشار الأسد.

وقال الصفدي في مقابلة مع شبكة “CNN” الجمعة، إن ما يحاول الأردن فعله هو “التأكد من وجود عملية سياسية جادة ستؤدي إلى إنهاء الأزمة في سوريا”.

وأضاف الوزير الأردني أن بلاده كانت في الجانب المتلقي لآثار تلك الأزمة وأنه “لا يمكن الاستمرار في التركيز على الأساليب التي لم تحقق نتيجة”، على حد تعبيره.

كما أشار وزير الخارجية الأردني إلى أن هناك حاجة “إلى العمل من أجل حل سياسي”.

وتابع: “نتفق جميعًا على عدم وجود حلول عسكرية، وقد أدت الأزمة إلى الكثير من المعاناة والدمار، ولا يمكننا الاستمرار في سياسة الوضع الراهن”. وأتم قائلا: “هذا ما يحاول الأردن فعله، فتح الأفق لحل سياسي”.

استعادة الاستقرار

اعتبر الدكتور أسامة دنورة، الخبير السياسي والاستراتيجي السوري أنه رغم التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأردني من واشنطن حول الملف السوري، والتي أكد فيها أن دوافع الخطوات التي اتخذتها المملكة تجاه سوريا في الآونة الأخيرة مرتبطة ارتباطًا مباشرًا باهتمام عمان في تسوية الأزمة في هذا البلد المجاور، فإن الحقيقة على ما يبدو تتجاوز حدود هذا الهدف.

وأضاف في حديثه لـ “سبوتنيك”، أن التقارب السوري- الأردني يلعب دورًا مفتاحيًا في استعادة مشهد الاستقرار الإقليمي ووصل ما انقطع من العلاقات العربية- العربية التي وصلت حضيضًا غير مسبوق في العقد المنصرم.

وتابع “الواقع الاقتصادي والجيوبوليتيكي يشير إلى أن استعادة التشبيك الاقتصادي في المشرق العربي (وصولاً إلى شمال إفريقيا) ينبغي أن يمر في معبر شبه إلزامي هو استعادة التواصل الأردني – السوري، فهذا التواصل يعني تظهير معالم الفض التدريجي للاشتباك على المستوى الإقليمي، فضلاً عن أنه مؤشر على رغبة عربية وغربية على حد سواء في جس النبض تجاه تخفيف الحصار والعزل عن سوريا كخطوة من خطوات التسويات المنتظرة نحو عودة العلاقات الطبيعية إلى المنظومة العربية”.

واستطرد: “هنا يمكن أن نجد تنافسًا بين توجهين أو لنقل صراعاً بين منظورين، أولهما يقوم على محاولة فرض تسويات شاملة تنقل دول المنطقة برمتها إلى حظيرة الحلف الأمريكي كمقابل لاستعادة العلاقات الاقتصادية والسياسية، أما المنظور الآخر فيقوم على استعادة التواصل من موقع الاختلاف (وليس الخلاف بالضرورة) ما بين الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة وتلك التي تقف في موقع مناوئ لسياساتها”.

ويرى دنورة أن التمسك بسياسات “كل شيء أو لا شيء” أصبح من الماضي، فالوجود الروسي وهزيمة الإرهاب أسسا لمشهد جديد سيفرض نفسه كعامل مثبت لاستقرار طويل الأمد يفرض بدوره الاعتراف بمفاعيله كأمر واقع في المنطقة/ ومن هنا فإن عودة الحرارة على خط عمان- دمشق يترجم الاعتراف بالواقع المستجد، ويعكس براغماتية حلول ما بعد الحرب.

استفادة أردنية

في السياق، اعتبر المحلل السياسي السوري غسان يوسف، أن الأردن مجبر على التقارب مع سوريا لأنه من أكثر البلدان التي تضررت من الحرب في سوريا، الذي ساهم فيها، ونفذ ما طلب منه، حيث كانت المنطقة الجنوبية من أكثر المناطق توترا بسبب وصول الدعم من الأردن.

وبحسب حديثه لـ “سبوتنيك”، بعد اتفاق الجنوب عام 2018، والذي أدى لدخول الجيش السوري لمنطقة الجنوب، أعلن الملك عبدالله في أمريكا أن النظام باق وأنه لا يمكن إلا التعامل معه، وأعقب ذلك اتصال الملك الأردني بالرئيس السوري، واتصالات أخرى من أجل فتح معبر نصيب.

وتابع: “العلاقات الاقتصادية هي التي تحكم مصير العلاقات بين البلدين، لأن العلاقات الاقتصادية بين الأردن وسوريا لا يمكن فصلها، والأردن المستفيد الأكبر باعتبار أن سوريا دولة منتجة زراعيا، وكانت تزود الأردن بالمياه، وكانت سوريا دائما تتجه نحو الخليج (الفارسي) عبر الأردن”.

ويرى المحلل السوري أن الأردن أدرك فعليا أهمية العلاقة مع سوريا وهو الآن يسعى لترميمها، وفي ظل علاقات الأردن القوية بالدول العربية والأوروبية، يمكن القول إن هناك موافقة ضمنية أو علنية لأصدقاء الأردن على عودة العلاقات مع دمشق.

الاستثمار والمياه

بدورها أكدت الدكتورة صباح الشعار، النائب السابق بمجلس النواب الأردني، أن هناك اتصالات وتفاهمات ما بين الجانب الأردني والسوري لضرورة إزالة العوائق والإجراءات التي تعمل على تراجع فرص الاستيراد والتصدير والاستثمار بين البلدين.

وبحسب حديثها لـ “سبوتنيك”، لكنها للأسف تسير ببطء على الرغم من الاتصال الهاتفي ما بين الملك عبدالله الثاني والرئيس بشار الأسد والذي جاء بعد جولة للملك لواشنطن تبعتها اتصالات مع الجانب الروسي والذين أعطوا الضوء الأخضر لانفتاح البلدين.

وترى الشعار أن أهمية التقارب الأردني السوري تأتي من محاولة الأردن إعادة سوريا إلى شقيقاتها في جامعة الدول العربية بعد حالة العزلة التي تعرضت لها دمشق نتيجة الأحداث الجارية فيها وحالات اللجوء السوري.

وأكدت أن الجانب الأردني يركز على مشاريع الطاقة وإعادة فكرة الهلال الخصيب (بلاد الشام) بالإضافة إلى محاولة الأردن البحث عن مصادر مائية جديدة في ظل تحدي شح المصادر المائية فيها في وقت يحاول فيه ممثلين الشعب تقريب وجهات النظر الحكومية في البلدين للخروج من الأزمة في البلدين، لينعكس ذلك على مواطني البلدين الذين يعانون من تراجع المستوى المعيشي وخاصة في قطاعي الزراعة والصناعة.

يذكر أن في نهاية شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، بدأت في عمّان اجتماعات وزارية أردنية سورية موسعة لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في مجالات التجارة والنقل والكهرباء والزراعة والموارد المائية.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول، أعلن الديوان الملكي الأردني أن الملك عبد الله الثاني ناقش هاتفيا مع الرئيس السوري بشار الأسد العلاقات الثنائية بين البلدين.

وفي سبتمبر/ أيلول 2021، أعادت السلطات الأردنية فتح مركز جابر- نصيب الحدودي مع سوريا أمام المسافرين وحركة الشحن عقب اجتماع على مستوى التمثيل الوزاري بين الأردن ونظام الأسد.

وفي عام 2019، أعلنت وزارة الخارجية الأردنية تسمية دبلوماسي بدرجة مستشار كقائم بالأعمال بالإنابة في السفارة الأردنية في دمشق، وأكدت أن ذلك يأتي في سياق الموقف الأردني منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011 بالإبقاء على السفارة الأردنية في دمشق مفتوحة.

التعليقات مغلقة.