هل أحرقت روسيا ورقة كازاخستان قبل أن تصل الى يد أمريكا؟

في أقل من 5 أيام انقلبت الاوضاع في جمهورية كازخستان رأسا على عقب، حيث بدات الاحتجاجات الشعبية يوم الاحد الماضي بمدينة جاناوزن غربي البلاد، اثر زيادة اسعار الغاز المسال، المستخدم كوقود للسيارت، وانتقلت الى العاصمة الاقتصادية ألماتي، مساء الثلاثاء، وبعد يوم واحد فقط، اي يوم الاربعاء، اقتحم المحتجون مبنى إدارة المدينة، وجردوا عناصر الامن من اسلحتهم وانهالوا عليهم بالضرب، وقتلوا 18 عنصر أمن، وسيطروا على مطار اكبر مدينة في البلاد.

ان تطور الاحتجاجات، على رفع اسعار الغاز، وعلى الاوضاع الاقتصادية الصعبة، بهذه السرعة، الى عمليات سطو واسعة النطاق على المتاجر والاعتداء على أقسام الشرطة والمنشآت الحكومية، التي تعرضت للنهب والحرق، اثار العديد من الاسئلة، حول مجمل ما حدث، لاسيما ان السلطات الكازاخية، ألغت على الفور قرار رفع اسعار الغاز المسال، واعتقلت المسؤولين عن القرار، واتهمتهم بانهم اتخذوا القرار دون تنسيق معها، في محاولة لتهدئة الاوضاع.

من السذاجة، تحميل عناصر اجنبية، مسؤولية كل ما جرى في كازاخستان، وتجاهل معاناة الناس بسبب الاوضاع الاقتصادية المتردية، والتي قد تدفعهم الى النزول الى الشوارع والاحتجاج، كما يحصل في اي بلد في العالم، حتى في بلدان ذات اقتصاديات قوية، ولكن من السذاجة ايضا، تجاهل وجود هذه العناصر، على ضوء ما جرى من اعمال شغب وعنف وفوضى ونهب وسلب وحرق، كان الهدف منها دفع البلاد نحو المجهول والاقتتال الداخلي، وهو هدف بعيد كل البعد عن هداف المحتجين الحقيقيين.

ليس فقط انحراف الاحتجاجات المطلبية بهذه السرعة نحو العنف والفوضى، هو الذي اثار الشكوك حول وجود عناصر اجنبية بين المحتجين، بل ما قيل عن وجود أجانب يتحدثون باللغة العربية بين المتظاهرين المصابين، الذين يتلقون العلاج في المستشفيات، ومقتل 18 ضابط شرطة، قطعت رأس اثنين منهم، زاد من وقع هذه الشكوك.

اغلب المراقبين لتطورت الاحداث في جمهورية كازاخستان، يتهمون امريكا، بانها هي التي تقف وراء تأجيج الاوضاع في هذا البلد، الذي تربطه حدود مشتركة مع روسيا يتجاوز طولها 7500 كيلومتر، في اطار سياستها القائمة على اشعال الازمات على حدود روسيا، كما في اوكرانيا ، وجورجيا، وبيلاروسيا، وجمهورية اذربيجان.

يرى هؤلاء المراقبون، ان امريكا، تحاول، من خلال زرع الفوضى في كازاخستان، ضرب عصفورين بحجر واحد، الاول هو قطع اقرب طريق برية امام الصين الى اوروبا، والذي يمر عبر كازاخستان، والثاني دفع روسيا لارسال قوات الى هذا البلد، والغرق في مستنقعه، كما حصل في افغانستان.

في المقابل، يبدو ان روسيا وضعت درس اوكرانيا نصب عينيها، فلم تقف تتفرج على ما يحدث بالقرب من حدودها، فقد استجابت على الفور لطلب الرئيس الكازاخستاني، قاسم جومارت توكاييف، ارسال قوة لحفظ السلام تابعة لدول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي دول كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق، وبالفعل تم نقل نحو 3000 عسكري، من روسيا وبيلاروسا وطاجيكستان وأرمينيا، الى كازخستان.

منظمة معاهدة الأمن الجماعي، حددت مهمة قواتها في كازاخستان، بمنع تسلل العصابات إلى هذ البلد من خارج الحدود، بعد ان اعلن الرئيس توكاييف ان ألماتي وحدها تعرضت لهجوم من قبل 20 ألف مسلح. وان قمع المحتجين ليس ضمن هذه المهمة، التي ستشمل ايضا مساعدة كازاخستان في حماية منشآتها الحيوية.

أما على الارض، فقد أوعز الرئيس الكازاخستاني توكاييف، يوم امس الجمعة، بإطلاق النار على من وصفهم بالإرهابيين دون تحذير، كما أعلن أن بلاده تتعامل مع عصابات أجنبية، يجب القضاء عليها. بينما اعلنت وزارة الداخلية تصفية “26” مجرما مسلحا واعتقال أكثر من 3 آلاف آخرين”، وتطهير كافة المباني الإدارية ومباني البلديات في كافة المدن، وتشكيل 70 نقطة تفتيش في عموم البلاد”.

يرى المراقبون، ان روسيا، وبدعم من دول الاتحاد السوفيتي السابق، الى جانب دعم الصين، تمكنت من إخماد نيران ازمة اشعلتها امريكا على حدودها الطويلة مع كازاخستان، كما تمكنت من احراق ورقة قوية كانت ستسخدمها امريكا، في مفاوضاتها معها، حول اوكرانيا، والتي من المقرر ان تجري يوم الاثنين القادم، العاشر من شهر كانون الثاني / يناير الحالي.

حميد محمد

التعليقات مغلقة.