رسالة عاشوراء.. التكامل الإنساني في العودة الى الإسلام

باسم حسين الزيدي
يوم عاشوراء مضافاً إلى كونه يوم الحزن والبكاء وإقامة الشعائر، فهو يوم العودة إلى الإسلام
الامام الراحل السيد محمد الشيرازي
في سلوك الانسان الاجتماعي (الانثروبولوجيا)، ومنذ ولادته وخلال نشأته وحتى مماته، يسعى الانسان للوصول الى الكمال الذي قد يمثله له الجانب المادي كالسلطة او الشهرة او المال او الخلود، كما ذكرتها ميثولوجيا (ملحمة كلكامش) السومرية وسعي الملك للبحث عن عشبة الخلود، او ما قد يجسده الانسان في محاولة الوصول، بنفسه او الجنس البشري ككل، الى التكامل الروحي من خلال الايمان بالقيم والمبادئ والمثل الإنسانية المشتركة وتطبيقها عبر السعي لتهديم عقبات الشر والتخلف والعنف والجهل والانانية بسلاح الإصلاح وما يمثله من رمزيه عالية في طريق الحق والمعروف وقيم الفضائل التي يجمعها وصراعه اللامتناهي ضد الباطل والمنكر وكل الرذائل التي يمثلها.
ومن هنا جاءت نهضة الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) الإنسانية الخالدة لتوضح ولتثبت هذا الخط الفاصل بين الخير والشر، وان المناطق الرمادية بينهما لا توجد الا في مخيلة المهادن او المرائي او أصحاب الهمم الضعيفة التي لا ترجو الخير لنفسها فضلاً عن ايجاده للآخرين، فلقد اختزل يوم الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) في عاشوراء كل هذه القيم الخيرة التي سعى لتطبيقها جميع الأنبياء والمرسلين والمصلحين طوال ذاكرة التاريخ وصراعها المرير امام الشر لمنع انتكاسة الانسان والمجتمع وانحداره نحو اللاإنسانية والعنف ومجتمع الغابة الخالي من القيم والفطرة السليمة.
ان عاشوراء كما يعبر عنها الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي هي مواسم للخلود هي: “موسم العطاء الرباني، وموسم الفضيلة والتقوى والأخلاق، وموسم العلم والمعرفة، ورمز لانتصار مبادئ الحق على جيوش الضلال”، فهو أحد الأيام الخالدة في تاريخ الإنسانية جمعاء التي استطاعت تصحيح مسار البشرية ومنعها من الانحراف نحو الرذيلة والشر: “هناك أيام كان لها أثرها في تغيير مجرى الحياة، من أهمها يوم عاشوراء (…) وتضحية الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) أثَّر في إعادة الإيمان إلى القلوب، وإرجاع صورة الإسلام التي حاولت الأيدي الآثمة طمسها وتغييرها”.
كما ان يوم عاشوراء معركة ستستمر الى ما شاء الله ما دام هذا الصراع قائماً بين الطرفين: “إن المتتبع في صفحات التاريخ يرى بوضوح آثار نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) المباركة، فكم من الحركات الإصلاحية والمنادية بالحرية التي نبعت من هذه النهضة المقدسة وتعلمت منها درس المقاومة والفداء، وذلك منذ يوم عاشوراء عام (٦٠ ه) وإلى يومنا هذا وستستمر المسيرة إلى أي يوم يوجد هناك سطوة ظالم وصرخة مظلوم في الأرض”، ومن هنا تتجسد عظمة الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) ويومه الخالد في عاشوراء، فقد “كان سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وما زال وسيبقى قبلة الأحرار حيث جسد بصلابته الفريدة بواقعة كربلاء الدامية مواقف إنسانية عظيمة أقوى من أن يلفها النسيان ويطويها الزمان”
لقد حملت رسالة عاشوراء الكثير من القيم وجسدت معاني عظيمة لا ينضب معينها في سبيل الوصول الى التكامل الروحي والإنساني الذي يبحث عنه الفرد طوال حياته، ولعل أبرز هذه الرسائل هو العودة الى الإسلام يوم: “عاشوراء مضافاً إلى كونه يوم الحزن والبكاء وإقامة الشعائر، فهو يوم العودة إلى الإسلام بإذن الله تبارك وتعالى”.
ولا يعني بالضرورة ان المقصود من العودة الى الإسلام الميل الى فئة بعينها او تحزب الى جهة معينة على حساب باقي الافراد او المجتمعات الإنسانية الاخرى، فالحسين بن علي (عليه السلام) ونهضته الخالدة للجميع، مثلما كانت رسالة جده المصطفى (صل الله عليه واله وسلم) لا تستثني في دعوتها للخير والصلاح احد من البشر، وقد عبر عنها المرجع الراحل السيد الشيرازي بالنهوض الإنساني العظيم: “كانت نهضة الإمام الحسين ‹عليه السلام› وستبقى نبراساً لسائر النهضات التحررية في العالم ضد الظالمين، فقد كانت وستبقى النهوض الإنساني العظيم الذي هز عرش الطغاة المستبدين، كما وإن واقعة كربلاء قد مهدت الطريق أمام الثورات الأخرى”، فإن “رسالة عاشوراء: إحياء الإسلام، وإرجاع القرآن إلى الحياة، وهذا هو ما كان يهدفه الإمام الحسين (عليه السلام) من نهضته وشهادته”.
ان الطريق الذي سار عليه الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) في العودة الى الإسلام تجسدت في:

  1. احياء الإسلام بعد ان حاول الطرف الاخر القضاء على الإسلام وطمس معالمه الخالدة وقوانينه واحكامه السماوية العظيمة، لذلك مثلت عاشوراء: “أفضل الفرص للعودة إلى الإسلام وإلى ما تركه المسلمون من القرآن الكريم وسنة النبي الأعظم (صلى الله عليه واله) وسيرة أهل بيته الكرام (عليهم السلام)”، و”علينا أن نجعل يوم عاشوراء يوماً لإحياء القوانين الإسلامية والعمل بها ونشر الثقافة والوعي في أوساط الأمة، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) قتل من أجل إحياء الإسلام وقوانينه العادلة”.
  2. لم يكن هدف العودة الى الإسلام بعدما حاولت قوى الظلام القضاء عليه ليكتمل من دون فضح القوى الشريرة التي اتخذت من الدين غطاءً شرعياً لتبرير جرائمها التي اقترفتها باسم الإسلام في محاولة لتشويه وتحريف الدين عن مساره العظيم الذي ارادته السماء لأهل الأرض، وهو ما يشير اليه الامام الراحل الشيرازي بقوله: “لقد أزاحت نهضة عاشوراء الخالدة الستار عن فضائح الأمويين وجرائمهم، وأدت إلى انقطاع واضمحلال السلسلة الأموية وغيرهم من أعداء الدين، وأبانت حقيقة الدين الإسلامي، وأوضحت معالمه للجميع”.
    لذلك فإن: “واجبنا اليوم هو أن نتعرف على عظمة شخصية سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، وعلى أهداف نهضته المباركة وأن نسعى للعمل بكل قوانين الحياة التي أتى بها جده رسول الله (صلى الله عليه واله) وبينها أهل بيته (عليهم السلام) ورعاها هو (عليه السلام) بشهادته وسقاها بدمه الطاهر ثم نعرض صورتها وصورة الأئمة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين)، بجمالها اللائق ونورها المتألق إلى العالم كله”، ويتم ذلك من عدة طرق أهمها والتي أشار اليها الامام الرحل السيد محمد الحسيني الشيرازي ونشير الى بعضها:
  3. توسيع دائرة الايمان والفضيلة والأخلاق: “يلزم الاستفادة من ذكرى عاشوراء لتوطيد الإيمان والفضيلة والتقوى والمثل الأخلاقية الرفيعة في المسلمين، وتوسعة دائرتها، وتوطيد وجودها”.
  4. العودة الى الإسلام واحكامه: “يمكن أن يستفاد من عاشوراء في التأكيد على ضرورة العودة إلى الإسلام وإلى أحكامه وشعائره”.
  5. بقاء النهضة واستمرارها الإيجابي: “بالقدر الذي كان قيام سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) مؤثراً في إحياء الإسلام والقرآن الكريم، فإن استمرار وبقاء تلك النهضة له نفس التأثير الإيجابي الفاعل في استمرارية المفاهيم الإسلامية وشريعتها”.
  6. احياء الحريات الصحيحة وإزالة المفاسد الاجتماعية: “يلزم علينا أن نتعلم من يوم عاشوراء درساً في إحياء الحريات الصحيحة، وإزالة المفاسد الاجتماعية، وإلا فإن الشخص الذي يكتفي فقط بالشعائر المقدسة المعروفة، ولا يعمل ببقية دروس عاشوراء، مثله كمثل المريض الذي يقرأ وصفة الطبيب المعالج ولا يعمل إلا ببعضها، وبذلك فإنه لا ينتفع بالشكل المطلوب”.
  7. يوم لتصحيح سيرة الانسان في هذه الحياة: “يوم عاشوراء هو اليوم الذي يعلمنا كيف نصحح سيرتنا في هذه الحياة، ونجعلها مطابقاً لسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) ومنهجه، حيث ضحى (عليه السلام) بكل ما يملك من نفس ومال وولد وأهل وأصحاب من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الفرائض والعمل بالقرآن الكريم والتمسك بأهل البيت (عليهم السلام)”.
  8. نشر وترسيخ ثقافة عاشوراء والنهضة الحسينية: “يلزم الاهتمام بالشعائر الحسينية بمختلف أنواعها والسعي لنشر ثقافة عاشوراء والنهضة الحسينية مضافاً إلى التبليغ الديني، فإن واقعة كربلاء وقصة عاشوراء وشهادة الإمام الحسين (عليه السلام) يلزم أن تبقى حية وفاعلة، وإن بقاء قيمها ومبادئها يكون بالمجالس والمنابر والشعائر الحسينية”.
    الخلاصة كما اوجزها الامام الراحل الشيرازي بقوله: “إن سيد الشهداء الإمام الحسين (سلام الله عليه) عبر نهضته المباركة دل الأجيال على الطريق، وأوضح عن السبيل لعلاج مشاكل المجتمع، والحصول على سعادة الدنيا وكرامة الآخرة، وحينما كان المجتمع الإسلامي يلتزم شيئاً ما بتلك التعاليم الإسلامية كان يعيش العزة والسعادة والرفاه والكرامة، ولم يكن يعرف شيئاً من هذه المشاكل الموجودة اليوم”، وهي حقيقه ينبغي التسليم بها اذا أراد الانسان ان يحيى حياة كريمة يحقق فيها التكامل والسمو في طريق الحق والخير والإصلاح من غير ان يخضع للباطل او يهادن في سبيل هذه المبادئ التي خلدت من امن بها وسعى من اجل تطبيقها بين المجتمع.

التعليقات مغلقة.