معالم وابعاد مدرسة الامام الخميني (قس)

جمعة العطواني ||

يكاد يتفق جميع المتابعين لحركة وشخصية الامام الخميني(قدس) على انها شخصية وحركة استثنائية في عصرنا الحديث والمعاصر، لما تمتلكه من مقومات ذاتية ومشروع اسلامي حضاري يتسق مع العناصر الذاتية في شخصيته .
هذه (السنخية) بين شخصية الامام والمشروع الذي يقوده ساعدت كثيرا في تحقيق الانتصار وتغيير وجه المنطقة والعالم، ونفض غبار قرون من التراكمات السياسية والفكرية التي حاول الاعداء من خلالها تغيير صورة هذا الاسلام الخالد .
بقدر ما تسمح به متطلبات المقال يمكن ان نشير الى مجموعة نقاط تمثل اهم ركائز ومعالم مشروع الامام الخميني والتي تحققت من خلالها معجزة كبيرة قياسا الى حجم التحديات التي واجهت هذا المشروع. اذ علينا ان نتصور ان مشروعا يُرادُ له ان يتحققَ على الارضِ في الوقت الذي يقف كلُّ العالم بما يمتلكه من قدرات سياسية وامكانيات عسكرية واقتصادية، وبالنهاية تتهاوى صاغرة امام هذا المشروع الالهي.
اشتغل الامام في مشروعه على ابعاد كثيرة اهمها :
1-قدرة الاسلام على ادارة الحياة والمجتمع والدولة .
منذ ان بزغ فجر الامام الراحل في القرن الماضي، فان حركته كانت واضحة وجلية ومبنية على اسس المشروع الاسلامي. فلم يكن الامام الخميني يريد من اسقاط نظام الشاه استبدال نظام مستبد بنظام عادل فحسب، بل كان همه الاكبر نشر دين الله وعدله، واعادة الاسلام الى الحياة في ابعاده الفقهية والعقائدية والاجتماعية والسياسية، فلم تكن السياسة وتغيير نظام الحكم باخر هدفا نهائيا، بقدر ما ان هدفه الاسلام بما يحمله من ابعاد مختلفة تغطي كل احتياجات الحياة والمجتمع، فكان مبدا( حاكمية الاسلام ) هو المشروع الثابت والغاية الاهم في حركته رضوان الله تعالى عليه، وما يترشح عنه هي لوازم ذلك المشروع.
لهذا كانت ثقة الامام بالله وبحقانية هذا المشروع الرسالي نابعة من حتمية الانتصار، إما بتحقيق ذلك المشروع ميداينا على الارض، او باداء التكليف الشرعي الذي يراه الامام فرض عين عليه، اسوة بسائر الانبياء واهل البيت عليهم السلام الذين لم يتحقق النصر المادي على ايديهم، لكن تحقق اداء التكليف الذي كانت له اثار مادية ومعنوية على المجتمعات الاسلامية بعد عقود وقرون.
من هذا المنطلق يمكن ان نفسر الحديث الذي دار بين السيد الامام وأحد مرافقيه على متن الطائرة التي اقلته من باريس الى طهران، اذ ان احد المرافقين اخبر الامام ان مطار طهران مغلق، ولا يمكن الهبوط فيه، واقترح عليه ان تهبط الطائرة في مطار الكويت ومن ثم يكون الدخول الى ايران عبر السيارات، فقال له الامام: لماذا نحن ذاهبون الى ايران ؟ لنشر دين الله وعدله ام للتحكم برقاب الناس؟ فاذا كان الهدف الثاني نسال الله ان يسقط بنا الطائرة، واذا كان الهدف الاول فاطمئن لن تسقط الطائرة.
بهذا الايمان المطلق يتحرك الامام لتحقيق مشروعه الالهي الرسالي.
بطبيعة الحال فان الامام رغم ايمانه المطلق بالله ودينه الخالد، الا انه لم ينتظر البعد الغيبي يحقق له ما يريد دون ان يتحرك باتجاه توفير الظروف العملية لذلك، ومن اهم هذه الظروف في هذا الجانب هو التجديد في ما يتطلبه الدين من مسائل فقهية وعقائدية تتناسب مع الظروف الزمانية والمكانية للمجتمع الاسلامي، فالفقة يتجدد بتجدد الزمان، وهذا هو سر خلود الاسلام وقدرته على ان يلبي حاجات المجتمع والانسان .
فالفقيه والمجتهد في عصرنا الراهن لابد ان يكون حقيقة نائب الامام المعصوم في حركته، ومن اهم متطلبات النيابة هو قدرة المجتهد على مواكبة المتغيرات التي يعيشها العالم، والاحاطة التامة في مختلف شؤون المجتمعات والحياة، ولديه القدرة على استنباط احكام فقهية وقانونية وسياسية وغيرها تمثل استجابة لمتطلبات العصر، فالاكتفاء بالمسائل الفقهية التقليدية التي وقف عليها المراجع خلال القرون الماضية لا يمكن ان تكون استجابة لمتطلبات عصرنا الراهن، لان الفقه متحرك بتحرك موضوعاته، وبما ان الموضوعات متغيرة بتغير الزمان والمكان، فلابد من تغير او تجدد الاحكام الفقهية المرتبطة بشؤون الحياة والمجتمع تماشيا مع تغير تلك الموضوعات .
وهذه من المسائل المهمة التي كان يؤكد عليها الامام في حركته قبل واثناء وبعد انتصار الثورة الاسلامية .
2- بناء مجتمع اسلامي قادر على ان يحمل مشعل نشر الاسلام والدفاع عن المظلومين .
بالتاكيد فان الايمان بالمشروع وحقانيته، وقوة وشخصية صاحب المشروع وذوبانه في الله دون ايجاد عوامل تحقق هذا المشروع على الارض لن تكفي.
ومن اهم تلك العوامل هو وجود شعب واعٍ ومتدين، يحمل الاسلام رسالة، ويتحرك ميدانيا لتحقيق الانتصار، من هنا عمل الامام الخميني على بناء مجتمع قادر على حمل الرسالة والدفاع عنها، ويتحمل كل التحديات والالام التي تواجهه في هذا الاتجاه، فكان الشعب الايراني بهذا المستوى من التحدي والصبر والجهاد، فمنذ اكثر من اربعة عقود والشعب يرفع راية الاسلام والجهاد والعمل والابداع العلمي والتقني والاقتصادي بيد، ويتحمل الام الحصار والحروب والمؤامرات والارهاب بيد اخرى .
اكثر من ذلك فان هذا الشعب يحمل الام وهموم كل المستضعفين في العالم، فهو (يُقَتِّرُ) على نفسه من اجل مساعدة المظلومين من شعوب المنطقة والعالم الاسلامي والشواهد اكثر من ان تحصر في هذا المقال.
وبما ان الامام في حركته يريد اعادة بناء الحضارة الاسلامية ، ومراحل البناء الحضاري يمر عبرمراحل هي: انتصار الثورة، وبناء الدولة، وبناء النظام السياسي، وبناء المجتمع، ثم بناء الامة كما يؤكد ذلك الامام الخامنئي في استكمال المشروع الحضاري الذي اسسه الامام الخميني، لذك كان جل اهتمام الامام هو بناء مجتمع اسلامي قادر على قيادة الدولة وبناء متطلبات الحضارة الاسلامية .
3-مواجهة العدو
يمكن للعاملَينِ السابقينِ ان يتحققا بجهود ذاتية من خلال العمل الدؤوب، لكن عند مواجهة العدو ليس كل العوامل بيدك، بل ان قسمها الاكبر بيد العدو، فانت لا تستطيع ان تمنع العدو من امتلاك التقنيات العسكرية والمادية والعلمية او الثقافية، لهذا مواجهة العدو تعد من اكبر التحديات امام تحقيق النصر ونجاح المشروع.
من هنا كان الامام يؤكد على ضرورة الاستقلال السياسي والثقافي والاقتصادي، فضلا عن الاستقلال العسكري.
فشعار لا شرقية ولا غربية التي حملها الامام منذ بزوغ الثورة الاسلامية لم يقصد بها الاستقلال الفكري والساسي فحسب، بل ان الاستقلال العسكري يعد من اهم مصاديقه ايضا. عملت الجمهورية الاسلامية منذ السنوات الاولى لانتصارها على امتلاك التقنيات العسكرية والتكنولوجية التي تحقق توازنا امام قدرات العدو، وقوله تعالى ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) هو الشعار الذي حملته الثورة الاسلامية في مواجهة اعداء الثورة والاسلام . وبالفعل ما تحقق من انجازات علمية وتقنية ارعبت العدو واذهلته، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار الحصار الكوني على الجمهورية الاسلامية وعلمائها منذ عقود، والاغتيالات مستمرة للعقول العلمية في مجالات مختلفة .
من مجموع هذه العناصر وغيرها كانت مدرسة الامام الخميني تهدف الى انبعاث الحضارة الاسلامية من جديد، فالحضارة الاسلامية من وجهة نظر السيد الامام ترتكز على ابعاد مادية ومعنوية، ومنها مسائل ترتبط بثقافة المجتمع وعاداته وخصوصياته التي ترسخ وتثبت هويته الاسلامية، وكذلك المسائل المرتبطة بالعلوم والتقنيات والفن واللغة والاثار وسائر العلوم الاخرى، فاسلمة العلوم المختلفة تمثل احد مرتكزات الحضارة الاسلامية التي وضعها الامام في مشروعه الرسالي، واليوم تتحرك الجمهورية الاسلامية بقيادة امام الامة الامام الخامنئي لتحقيقها وقد تحقق منها الكثير، ولا زالت امام الامة الكثير لانجاز ما يمكن انجازه .

*مدير مركز افق للدراسات والتحليل السياسي

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: