القضية الفلسطينية والتحديات المُعاصرة

أحمد رضا المؤمن

لم يعُد خافياً على أحد التيار الواسع الذي يَطرَح تَساؤلات خَطيرة تَتَعلق بالقضية الفلسطينية وعلاقة الآخرين بها ..
وهذه التساؤلات تُطرح مَرة بدوافع بريئة وساذجة ومرة بدوافع مَدروسة خبيثة الهدف منها فصل القضية عن مُحيطها العربي والإسلامي ليسهل على أصحاب هذه الدوافع الإنفراد بفلسطين ومن ثم التفرغ لغيرها من قضايا وبُلدان العالم .
وأرى أن هذه التساؤلات خطيرة جداً وتحتاج من النُخَب المؤمِنَة والواعية والمثقفة التصدي للإجابة عنها ودَفع الشُبهات التي تَعترض كُل من يَسعى لنُصرة القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني والترويج لثقافة المقاومة والممانعة بوجه الثالوث المشؤوم ( إسرائيل وأمريكا وبريطانيا ) .
إعتراضات على شِكل أسئلة يَطرَحَها هؤلاء كقولهم :
ما عِلاقتنا بالقَضية الفلسطينية ؟
لماذا نُناصِر الفلسطينيين وقَضيّتهم بالوقت الذي لا يُناصرون هُم إلا قَتَلَتَنا ؟
لماذا نُفضّل الإهتمام بالشعوب الأُخرى ورعايتها ونَنسى شعوبنا ؟
ماذا كَسَبنا من الصراع مع إسرائيل خلال العقود الماضية ؟
لماذا لا نُجرب السلام ؟..
بهذه الأسئلة السَطحيّة والساذجة وغيرها من المغالطات يُواجَه اليوم كُل من يُناصر القضية الفلسطينية اليوم .
لقد كُنتُ ولا زلت كُلما أواجَه بهذه الأسئلة أجيب عنها في توضيح أهمية نُصرة وَتَبنّي القضية الفلسطينية بقُصة الكونت ( أليكساندر دي مارنيش ) مُدير المخابرات الخارجية الفرنسية في عهد الرئيس الفرنسي ديستان في العام 1981م عندما قابل الرئيس الأمريكي الجديد آنذاك ( رونالد ريغان ) الذي قال لهُ : أتعرف كَم من الأذى يُمكن للبعوضة أن تُسببه للدُب ( ويقصد بالدب الإتحاد السوفيتي ) ؟!!
فإذا لم تكُن في موقع يُتيحُ لَك أن تُطلِق النار على الدُب فعليك أن تُفكّر بهذه الوسيلة ! )
بهذه العقلية تدار السياسة في كُل دول العالم ولا سيما الدول التي لديها أعداء خطيرين.
ونحن كمُسلمين وعرب وأحرار نؤمن بأن الكيان الصهيوني هو كيان لَقيط ومُعادي زُرع في قلب منطقتنا العربية الإسلامية على حين غفلة ويحمل بحسب التجارب التأريخية الطويلة العريضة فكراً مُعادياً لنا إلى حد المرض الذي لا يُمكن علاجه إلا بإقتلاعه وإجتثاثه.
ولأن ذلك يحتاج إلى إمكانات وموارد وإستعدادات هائلة أغلبها غير مُتاح فإن الموقف المناسب يكون بدعم من يستطيعون إشغال هذا الكيان بضرباتهم و( إزعاجاتهم ) المرعبة والمربكة التي من شأنها زعزعة إستقراره وعَدَم تَفَرّغه لأي إعتداء أو تخريب أو ظُلم في بلادنا وأمتنا الإسلامية.
وهذا ما تقوم به مشكورة جمهورية إيران مُنذ إنتصار ثورتها الإسلامية عام 1979م من خلال دعمها لحركات المقاومة والتحرّر الصادقة في مُقاومتها للمحتلين كالمقاومة الإسلامية حزب الله في لبنان وحركتي (الجهاد) و(حماس) وغيرها ..
إن مُراجعة بسيطة لأحداث تأريخ الصراع العربي الإسرائيلي خلال القرن الميلادي الماضي يكشف بوضوح أن العدو الإسرائيلي إكتَسَب قوّة وتَقَدم في الوضع الأمني والإقتصادي والسياسي في نفس الفترات التي إنشغلت فيها الشعوب العربية والإسلامية في مُصارعة حُكام الجور المسلطين على رقابهم ومُعالجة البُنية التحتية المنهارَة للأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والعقائدية المنهارة أو المتأخرة ولأسباب كثيرة لا مجال لشَرحِها وبيانها.
أي أن الحكمة والمنطق السياسي يَقولان بأننا لا نَستطيع أن نأمَن على أنفُسنا وأن نَستَقر ما لم يَنشَغل أعداؤنا عن أذانا والإعتداء عَلَينا ، وهو ما لَم يَتَحقق بطبيعة الحال إلا بمُقاومة العَدو أو على الأقل دعم من يُقاومه ويُشغله عن أذى شعوبنا وبلادنا.
ولا نَنسى الإستشهاد بما قالهُ آية الله الشيخ مُحمّد جواد مغنية “قده” : ( .. فكربلاء اليوم عند الشيعة هي فلسطين المحتلة ، وسيناء ، والضفّة الغربية من الأردن ، والمرتفعات السوريّة ، أما أطفال الحسين وسبايا الحسين فهُم النساء والأطفال المشرّدون المطرودون من ديارهم ، وشُهداء كربلاء هُم الذين قُتِلوا دفاعاً عن الحق والوطن في ( 5 ) حُزيران ) .
بهذه العَقلية الإسلامية الواعية المتنوّرة يَقرأ ويُفكّر ويَتفاعل الشيعة وعُلماؤهم مع القضية الفلسطينية بعيداً عن العُقد الطائفيّة والقوميّة والمناطقيّة وغيرها .
إننا بأمس الحاجة اليوم إلى التثقيف بضرورة تبني القضية الفلسطينية والتعامل معها ببعد نظر وتفاعل إستتراتيجي عقلاني غير عاطفي .

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: