السعودية تختار فتح الأبواب الموصدة

عباس سرحان…

كان اللقاء المتلفز أواخر نيسان الماضي، لولي العهد السعودي محمد بن سلمان لافتا بما تضمنه من رسائل سياسية موجهة بعناية الى الجمهورية الاسلامية الايرانية، لا بل أن اللقاء صُمّم ليكون بريدا ساخنا لنقل رسائل الودّ إلى طهران.
المفارقة ان هذا اللقاء جاء بعد اربعة اعوام كاملة من لقاء تلفزيوني سابق استبعد فيه بن سلمان التفاهم مع ايران لأنها كما أشار تؤمن بايديولوجية متطرفة وقال وقتها إن ” النظام الإيراني قائم على أيديولوجية متطرفة فكيف يمكن التفاهم معه؟”.
في اللقاء الاخير تحدث بن سلمان بلغة مختلفة فهو تمنى الخير والازدهار لايران باعتبارها ” دولة جارة ونطمح إلى إقامة علاقة مميزة معها” ونسخ هذا التصريح رغبة سابقة لبن سلمان في نقل المعركة الى الداخل الايراني.
لا بل أنه” بن سلمان” كشف بصراحة ووضوح عن مساع لحل المشاكل مع ايران بالطرق السلمية، قائلا ” نعمل اليوم مع شركائنا في العالم لإيجاد حلول لهذه الإشكاليات ونتمنى أن نتجاوزها وأن تكون علاقاتنا طيبة وإيجابية وفي منفعة الجميع”.
وفي موازاة ذلك خففّ الإعلام الرسمي السعودي أيضا من نبرة خطابه الحادة تجاه طهران وبدا أكثر حذرا في انتقاء المصطلحات وهو يتعاطى مع ملفاتها.
فما الذي جرى حتى تغير الموقف السعودي الرسمي والإعلامي من الجمهورية الاسلامية، لتتحول بين عشية وضحاها من عدو لدود الى جار مهم يجب التعاطي معه بإيجابية؟.
لاشك أن أول أسباب هذا التحول هو صلابة وحنكة وعقلانية موقف القيادة الإيرانية وصمودها طوال سنوات صعبة تحملت فيها الجمهورية الاسلامية العقوبات والتحرشات العسكرية والحرب الاعلامية والسياسية بثبات وصبر وعقلانية منقطعة النظير.
لكن الى جانب ذلك هناك أسباب تؤثر بشكل مباشر على الموقف السعودي نفسه ونقصد بها تبدل مسار اهتمامات السياسة الخارجية الأمريكية بعد وصول بايدن الى البيت الأبيض.
طبعا لا نغفل هنا مقدار الضرر الذي ألحقته حرب اليمن بالسعودية داخليا وخارجيا، خصوصا وأن أسراب المسيرات وصليات الصواريخ اليمنية باتت تضرب أهدافا بالغة الحساسية في العمق السعودي وتطيح بكل منظومات الاعتراض التي اصبحت مثارا للتندّر والسخرية.
وقد تجد الرياض أن من يمكنه التأثير في مسار حرب اليمن وإيقاف استهداف العمق السعودي هي طهران الحليف القوي للحوثيين.
لكن من الواضح أن سياسة بايدن الخارجية تأتي في مقدمة أسباب تراجع الموقف العدائي السعودي حيال طهران.
فسياسة بايدن اختلفت كليا عن سياسة سلفه دونالد ترامب الذي كان يُشعل الحرائق حول العالم وخصوصا الشرق الأوسط بشكل فوضوي وغير مدروس، فغذّى مشاعر الكراهية في مناطق عدة ومنها منطقة الخليج.
بايدن يدرك أن الخطر الكبير يأتي من جهة الصين عملاق الاقتصاد الصاعد بسرعة فائقة لتسيّد العالم في غضون سنوات قليلة، ما يعني إزاحة مهينة للولايات المتحدة التي ظلت متحكمة بالاقتصاد والسياسة الدولية لفترة طويلة، وقال بايدن صراحة ” الصينيون سيأكلون غذاءنا إن لم نتحرك”.
كما يشعر بايدن بخطر التهديد الذي تشكله الاسلحة الروسية فرط الصوتية التي يُقرّ قادة عسكريون امريكيون أنها فاقت قدرة الدفاعات الامريكية، والتفوق الاقتصادي الصيني والعسكري الروسي يعنيان حتما انحسارا امريكيا على الساحة الدولية.
لاشك أن الرجل يتحسّس حجم الخطر الذي ينتظر بلاده من هذين العملاقين فبات يعتقد بوجوب التفرغ لمواجهتهما وتهدئة جبهات أخرى لا يضيف الانتصار الامريكي فيها شيئا كثيرا لأمريكا اذا ما قورن بخطر الهيمنة المتصاعدة للدولتين العظيمتين.
من هنا سارع بايدن الى انتقاد حرب السعودية على اليمن وأزال انصار الله من قائمة الارهاب، وفرض حظرا على تصدير السلاح للسعودية، وأصدر امرا بسحب قواته من افغانستان لإعادة التموضع في آسيا الوسطى بما يعزز حضورا امريكيا في طاجيكستان وكازاخستان وأوزبكستان لمواجهة الصين وروسيا .
هذه الأسباب جعلت السعودية في تسلسل متأخر من سلّم أولويات الرئيس الامريكي بايدن الذي لم يعد معنيا كثيرا بصواريخ الجمهورية الاسلامية وبرنامجها النووي وعدائها مع اسرائيل والسعودية.
وأمام هذا التبدّل الكبير في السياسة الخارجية الأمريكية لم يعد امام القيادة السعودية إلا مجاراة التوجه الامريكي قبل أن تجد نفسها وحيدة في مواجهة مع إيران لا تقوى عليها، فطرقت باب طهران من جهة العراق واستجدت أكثر من اجتماع سري مع المسؤولين الايرانيين.
ومن الطبيعي أن يتغير الموقف الرسمي والإعلامي السعودي من إيران طالما هي من تبحث عن التقرب لطهران.
ولاشك في هذا الإطار أن تراجع حدة العداء بين السعودية وإيران يسهم في تهدئة ملفات معقدة في المنطقة بدءً من لبنان وانتهاء باليمن مرورا بالعراق وسورية.
لكن ما الذي جنته السعودية ودول الخليج من عدائها لإيران ومن شن الحرب على اليمن، لا بل ما الذي جنته الدول المطبّعة مع اسرائيل من هذا التطبيع الذي سارعت إليه نكاية بإيران؟.

يقول مثل صيني شهير” لا تضع كل البيض في سلة واحدة” وما أحوج القيادة السعودية وأنظمة عربية أخرى لتعلّم هذا المثل وتطبيقه في السياسة العامة.
لأنها اعتادت على المراهنة دائما على المواقف الأمريكية فتجد نفسها في نهاية المطاف في حرج شديد كالذي تعيشه القيادة السعودية هذه الأيام.

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: