المشحوف والدانك والطرادة.. اساطير وسائل النقل في الأهوار الجنوبية

وسيلة النقل في الأهوار والأنهار المصنوعة من القصب أو الأخشاب المطلية بالقير لها تسميات كثيرة منها، المشحوف ،والدانك ،والطرادة ،والكعد ،وتطلق هذه الأسماء حسب حجم المشحوف أو البلم ،ويتم تحريك البلم وسيره وتوجيهه بواسطة الغرافة أو المردي ،وهما يصنعان من أحد أنواع الخشب الذي ينبت في الأهوار ويشبه نبات القصب ويسمى بالـ (جنى).
وبعد أن تم صنع المحركات استعمل الكثير من سكنة الأهوار وضفاف الأنهار محركات صغيرة صنعت لتوضع على بلم كبير يسمى ( كعد ) ليسهل التنقل بدلا ً من المردي والغرافة اللذين يحتاجان إلى جهد كبيرعند استعمالهما.
إرث سومري
يقول الباحث والكاتب جمعة المالكي من مؤسسة الهدى للدراسات ان أنواع الأبلام تصنع من الخشب وحسب قياسات هندسية دقيقة يجيدها صناع المشاحيف وبعد اكمال المقاطع الخشبية يتم طلاء البلم بمادة القير من الخارج لتمنع نفاذ المياه الى داخله.
و”أضاف أن” البلم المتوسط ( الطراد ) يتكون من ثلاثة مقاطع ،الأول يسمى الصدر ،وبعده الوسط ومن ثم الأخير وتسمى مقدمة المشحوف بالعنج ومؤخرته بالركمة .
وتابع المالكي، أن” المشحوف يعد وسيلة النقل الرئيسة بالنسبة لسكنة الأهوار وضفاف الأنهار فلا يمكن لساكن تلك المناطق الاستغناء عنه وفي بعض البيوت القروية يوجد أكثر من بلم وبأنواع مختلفة فمنها للصيد وآخر لجلب حشيش الحيوانات ،وكذلك يخصص واحد للذهاب إلى الأسواق ومن أجمل استعمالات المشاحيف عندما يتشارك أبناء الأهوار أو القرى المجاورة في زفة العروس فذلك منظر لا يفوقه منظر بالبهجة والجمال ويتوسط مجموعة مشاحيف الزفة مشحوف يجلس فيه مطرب ريفي يغني الأطوار الجنوبية الممتعة ،وهم يسيرون وسط ممرات الأهوار الخلابة التي تسمى (الكواهين)”.
ودعا الباحث الجهات الحكومية المختصة الى” الاعتناء بالأهوار والحفاظ على مساحاتها ليبقى إرث سومر حاضراً معنا ،ويبقى المشحوف بغنجه شامخا ً،فهو مثل السمك لا يعيش ولا يعلو بدون الماء” .
اندثار صناعة البلم
المؤرخ علي العقابي من كتاب ومؤرخي المجر الكبير قال ارتبطت صناعة القوارب في العراق ارتباطاً وثيقاً بمياه كل من نهري دجلة والفرات، حيث تعتبر الوسيلة الأولى لتنقل سكان العراق قبل خمسة آلاف عام قبل الميلاد، فكثرة المياه في هذين النهرين جعلت الزوارق وسائط لصيد الأسماك والطيور والتنقل بين ضفاف الأنهار أو التنزه بواسطتها.
وبين، أن “انحسار المياه في الآونة الاخيرة، جعل هذه الحرفة التأريخية تنجرف نحو هاوية الاندثار، إلا أن البعض من صنّاعها يقاومون اضمحلال هذه الصناعة التراثية، رغم عددهم الذي بات ينحسر يوماً بعد آخر” .
كلكامش ونوح
تختلف الزوارق في أشكالها وأحجامها، وايضاً في استعمالاتها والمواد المصنوعة منها، إلا أن هناك حضارة كاملة بدأت مع بداية تأريخ العراق، والأحداث التي انحدرت منها هذه الحرفة.
فقد أظهرت النصوص التوراتية، والعديد من النقوش السومرية التي وجدت منحوتة على الرقم الطينية، أن المشحوف كان إحدى وسائل تنقل الملك كلكامش في رحلته عند بحثه عن الخلود، وأنه قد صنع قارباً من قصب البردي وطلاه بالقار، وهو نوع من الزوارق يستخدمه سكنة الأهوار في محافظات العراق الجنوبية حتى الآن. أما النوع الآخر من الزوارق الكبيرة، ومنه سفينة نبي الله نوح، الذي أمره الله بأن يصنعها لتحمل من كل زوجين اثنين للنجاة من الطوفان العظيم، فقد أوضحت الرقم الطينية لكل من الحضارات السومرية والبابلية، وأيضاً الكتب السماوية، وتحدثت عن رسوّها على جبل الجودي، إحدى قرى الموصل القديمة.
البلّامة
توارثت الأجيال حرفة صناعة الزوارق، لما لها من أهمية كبيرة في حياة الناس ومتطلبات معيشتهم، خصوصاً في المناطق القريبة من نهري دجلة والفرات، فقد تجد أغلب محال الحرفيين في هذا المجال قرب الأنهار، وكان الأوائل في صناعة الزوارق من المناطق الجنوبية والوسطى في البلد، كمحافظات ميسان والبصرة والناصرية وبابل على وجه الخصوص.
عالم جديد
اتخذ سكان الأهوار، وغيرهم من سكنة القرى والمدن القريبة من الأنهر، الزوارق الخشبية في عملهم ونزهاتهم ونقل حيواناتهم الى يومنا هذا، ولم يتغير هذا الأمر منذ آلاف السنين، إلا أن التغيير الذي حصل هو في المواد المصنوعة منها هذه الزوارق.
البلم في اللغة
قارب صغير يرد في العامية الإماراتية، وجمعه بلام وبلامه، وهناك من جمعه على: بلمات، وهو جمع غير معروف، ذكره الدجيلي ونقله عنه هانس كندرمان في كتابه: مصطلح السفينة عند العرب، ورفضه الحنفي متعللاً أنه من جموع الصبيان. يستعمل البلم للتنقل قرب السيف (الشاطئ) أو لتنقلات البحارة والغواصين بين سفن السنيار في الهير. أما في تأصيلها فيرى الدجيلي أنها من أصل هندي: walam وهو ذات الأصل الذي يميل إليه هانس كندرمان.
أما الباحث فالح حنظل فيجد في معجمه أن اللفظة من الهندية أيضا: vallam فالام وأجد أن هذه التسمية هي ذاتها التي ذكرها الدجيلي بسبب الإقلاب بين حرفي w و v في بعض اللغات الهندأوربية.
ومن جهته يرى الشيخ جلال الحنفي أن أصل البلم من palm اللاتينية التي تطلق على النخلة، إذ كان البلم يُصنع من جريدها وكربها وربما اتّخذ من جذعها. وأجد أن هذا الرأي فيه بعض الغرابة، فالأقرب للعقل هو أن يتم انتاج البلم في البيئة التي تتوفر على النخل وتكون تسميته بذلك مستمدة منه. ولكن الباحث الحنفي ذاته يذكر رأيا عن العالم الآثاري محمود الأمين يقول فيه: إن كلمة بلم من بقايا لغة حضارة القرية الزراعية في العراق القديم في الألف الرابع قبل الميلاد.
ورغم أن الحنفي أو محمود الأمين لم يذكرا الجذر إلا أنني أجد أن بإمكاننا تأصيل البلم بما توفّره لنا الذخيرة اللغوية الجزيرية القديمة، فلو أخذنا مفردتي: بعل، وهي مفردة تشترك في أكثر من لغة جزيرية وتعني السيد والرئيس والمرتفع والرفيع والسامي، ومفردة: يم، التي تعني البحر والماء، وبنحتهما سنحصل على مفردة: بعليم، بليم، بلم، بمعنى سيد الماء، خصوصا ونحن نتحدث عن بيئتين إحداهما نهرية تمثلها الأنهر وقنوات الري وأخرى بحرية يمثلها الخليج العربي.
أما في تأصيلها معجميا فأجد أن مادة: بلم في كتاب العين للفراهيدي والتي تدل على صغار السمك قد تقرّبنا كثيرا من غايتنا، والبلم سمك من الأنواع النهرية الشائعة، وتمت استعارة التسمية بسبب الشكل والبيئة المائية لتطلق على هذا النوع من الزوارق الصغيرة.

التعليقات مغلقة.