العراق وإسرائيل وطريق الحرير..!

ماجد الشويلي

من المعلوم أن الإختيار الخبيث والمتقن لغرس (الكيان الصهيوني) في جسد الأمة ، كان قد اختير بعناية فائقة توخت منه قوى الإستكبار تحقيق غايات عديدة ، تمازجت بين نوازع دينية ، ومقاصد اقتصادية كان علم الجيوبولتيك قد نبه لها وأشار لأهمية موقع فلسطين على الصعيد الجيوسياسي والبولتيكي.
ففلسطين تقع على رأس واحد من ستة مضائق تعد الأهم من بين 44 ممراً مائياً تنتشر حول العالم.
ففلسطين تقع على رأس قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالمتوسط.
لكنها في ذات الوقت تشرف وإن لم تكن بشكل مباشرعلى بقية المضائق الخمسة وهي كما يلي؛ البوسفور ، الدردنيل، السويس، باب المندب، هرمز، مضيق جبل طارق.
مايجعلها عقدة وصل بين هذه الممرات يصعب تجاوزها أمنياً واقتصادياً بحال من الأحوال.
وليس هذا فحسب بل إن موقع فلسطين يشكل حلقة وصل بين القارات الثلاثة الكبرى ؛ آسيا ، وأوربا ، وأفريقيا.
التي يصعب التكامل الإقتصادي بينها دون الحاجة لإسرائيل الجاثمة على صدر المنطقة.
فلا وحدة عربية ، ولا وحدة إسلامية ، مادامت إسرائيل هنا في فلسطين.
ولا تكامل اقتصادي بين القارات دون إذن من اسرائيل!
الإستعمار الذي زرع هذا الكيان اللقيط في هذه البقعة الحساسة جدا ، كان يرغب بضمان مصالحه فيها مع استرضاء لغرور الصهاينة لتحقيق حلمهم العقائدي بالعودة للقدس.
ولم يقف الأمر عند صعوبة إرساء قواعد وحدة الأمة على المستوى الاقتصادي والجغرافي والأمني مع وجود هذه الغدة السرطانية فحسب ، بل راح يتخطاه لتعذر تحقيق الوحدة الانسانية والأسلامية التي تجد نفسها مرغمة على أن تهفوا قلوبها نحو فلسطين.
وقد تجلى خبث دول الاستكبار العالمي بسلب المثابة الروحية التي تجتمع لها أفئدة اتباع الديانات السماوية لتغدو الإنسانية دون جامع يجمعها ويعزز من المشتركات بينها.
إسرائيل التي تريد في حقيقة الأمر هدم المسجد الأقصى ومحو الآثار المسيحية والاسلامية من فلسطين ، وجد فيها الغرب خير من يدير لها دوامة الفتنة والتناحر الديني والعرقي والطائفي في المنطقة ضماناً لمصالحهم.
ففي الوقت الذي ترغب فيه إسرائيل هدم بيت المقدس (مركز التوحيد والوحدة العالمي)لاقتلاعه من قلوب اتباع الديانات السماوية ، سعت لحرف انظارهم عنه نحو (أور)
في العراق ، كيما تبقى مطبقة على المنطقة بنفوذها لنهب خيراتها ويبقى أتون الفتنة مستعراً فيها.
لكن أختيار (أور )له مغزى آخر له صلة بطريق الحرير .
فطريق الحرير ومن خلال مروره بالعراق سينسف أهمية وجود الكيان الصهيوني الغاصب في تلك البقعة.
إذ ستتراجع أهمية قناة السويس وحتى مضيق باب المندب وستتراجع معه أهمية إسرائيل بالنسبة لأمريكا بلحاظ الكلفة الباهظة لضمان استمرار بقائها مدعومة منهم.
إسرائيل التي تسعى منذ مدة لإعادة تعريف نفسها لوجيستياً كمركز للتجارة الإقليمية، عبر إعادة تأهيل مطاراتها الجوية وموانئها البحرية، مستغلة موقعها الجغرافي الإستراتيجي على البحرين، المتوسط والأحمر قامت مؤخراً بتأهيل أهم مينائين في الشمال
كما شرعت في أكتوبر2014، بربط إيلات على البحر الأحمر، بميناء أشدود الجاري إنشاؤه علي البحر المتوسط عبر خط سكة حديد طوله 350 كلم، وتكلفة 15 مليار دولار استعدادًا لمشروع سكك حديد “حيفا – الدمام”
فضلاً عن مراجعة التصورات الهندسية لمشروع عودة قطار الحجاز، بحيث يمتد القطار جنوبًا ليخترق العراق وينتهي في الدمّام السعودية بطول 1590 كيلومترًا، قابلة للزيادة حال انضمام الإمارات للمشروع.
هذا القطار الذي ستقوده أمريكا والذي أطلقت عليه إسرائيل اسم ((قطار السلام))
يراد له أن طوق النجاة الذي ينقذ إسرائيل من تداعيات التحاق العراق بطريق الحرير على الأمن الأقتصادي الإسرائيلي والذي سيشكل بدوره تهدداً وجودياً للكيان الصهيوني.
ومع هذه التداعيات يجد العراق نفسه بين مفرق طرق إما أن يكون جزءاً حيوياً في طريق الحرير ، وإما أن يركب قطار التطبيع.
ورغم أن دلالات هذين الخيارين تبدو بظاهرها اقتصادية ، إلا أن جوهرها يتعلق بتحديد هوية العراق الحضارية .

التعليقات مغلقة.