الامام الحسين (ع) ورسائل المحبة الى العالم

باسم حسين الزيدي

عندما تحتفي الأمم بعظمائها المصلحين وقادتها وعلمائها ومفكريها فإنها غالبا ما تستذكر الجوانب (الإنسانية، العلمية، الثقافية، الاقتصادية، السياسية…الخ) التي أبدعوا في صياغتها وتطبيقها خدمة لمجتمعاتهم في الدرجة الأساس او التطلع لخدمة باقي المجتمعات الإنسانية بعنوانها الاوسع، ولا تنسى الأجيال اللاحقة التعبير عن امتنانها وشعورها بالفخر والتميز لوجود هكذا شخصيات ضمن تاريخها استطاعت خلق هذا التأثير الإنساني في الافراد والمجتمعات والاستمرار في هذا الفعل حتى بعد عقود من الزمن على رحيلها، وهو ما يثبت بصورة مباشرة ان العطاء القائم على فعل الخير ينجح في تحقيق مسعاه في نهاية المطاف ويحفز الاخرين على الاقتداء والاستمرار في ذات الطريق.

ان حجم التأثير الإيجابي الذي يصنعه هؤلاء العظماء في الاخرين يعتمد على مقدار درجة الإصلاح (المادي او الروحي) التي يسعون الى تحقيقها، ومدى شمول الافراد والمجتمعات الأخرى بمختلف ثقافاتها وعاداتها وتقاليدها وتوجهاتها الفكرية التي قد لا تتناسب وحامل هذه الرسالة الإنسانية، وهكذا كان واقع الحال بالنسبة لهؤلاء العظماء من الأنبياء والمرسلين والاوصياء والصالحين، بل وحتى من تأثر بهم ممن تبع نهجهم من العلماء وغيرهم، في السعي لصناعة هذا التأثير الإيجابي في النفس وغرس المفاهيم الإنسانية القائمة على الفطرة السليمة، لانهم لم يلتفتوا الى صغائر الأمور او الجزئيات المحدودة في التفكير والفعل، بل اهتموا بالنظر الى الكليات وركزوا على الصورة الكاملة بمختلف زواياها.

ان الفعل الإيجابي ومدى التأثير الإنساني الذي قام به الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) يجعله في مقدمة هؤلاء العظماء والمصلحين، لان التاريخ والواقع لم يستذكر او يكتب، حقيقة مشابه او مقاربه، لما حققه الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) خلال مسيرة حياته وما جرى في واقعة الطف وما تلاها، والتي حملت جملة من الرسائل:

1. رسائل إنسانية قائمة على المحبة والسلام وحب الخير لكل الإنسانية، بل حب وفعل الخير حتى مع الأعداء الذين أرادوا شراً بالإمام الحسين (عليه السلام) وكانوا عازمين على قتله وأهله واصحابه وسبي عياله، لان هدف الامام الحسين (عليه السلام) لم يكن الانتقام او القتال وانما اللين واللاعنف والأخلاق الطيبة والتسامح، ” وهي سياسة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، أما سياسة العصا والسيف فإنها ليست من شيمهم، فلم يقوموا بالسيف إلا للدفاع عن النفس”.

2. رسائل إصلاحية موجهة الى الانسان للتخلص من العبودية والذل والتبعية للآخرين وإصلاح النفس والمجتمع وغيرها من الرسائل التي تنطوي تحت بند الإصلاح: “إن من يريد الخلاص من الذل والعبودية، ومن يريد العزة والسعادة، فعليه أن يتعلم من مدرسة أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام) درس الشهامة والشجاعة، وسمو النفس وعزة الروح، والاستقلال الفكري ورفض العبودية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح المجتمع وإنقاذ الإنسان، والجهاد ضد الظلم والطغيان”.

3. رسائل لرفض الظلم والفساد والاستبداد والدكتاتورية في زمن الامام الحسين (عليه السلام) وفي كل زمان ومكان في العالم، والدعوة للوقوف في وجهه وتحطيم كل القيود المصطنعة التي قد تقف حائلاً دون انهاء حالة الظلم والفساد: “لم يكن سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) مخالفاً ليزيد بن معاوية فقط، بل كان مخالفاً لجميع الظلمة الفاسدين والمفسدين في كل زمان ومكان”.

4. رسائل لتحرير الانسان من القيود التي تخرجه من خانة الانسانية ليعيش بسعادة وحرية بلا اغلال واثقال تعيق حركته نحو التقدم، وهذا يمنح الانسان المزيد من المساحة للتفكير بإيجابية بمساحة حرية أوسع وأعمق: “أراد سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) للإنسان بما هو إنسان أن يعيش سعيداً حراً، في أي زمان ومكان، سواء أكان مؤمناً أم كافراً”.

5. رسائل لصناعة التأثير الإيجابي في الآخرين وفي الأجيال اللاحقة والذي اوضحه الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) في قوله: “إن المتتبع في صفحات التاريخ يرى بوضوح آثار نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) المباركة، فكم من الحركات الإصلاحية والمنادية بالحرية التي نبعت من هذه النهضة المقدسة وتعلمت منها درس المقاومة والفداء، وذلك منذ يوم عاشوراء عام (٦٠ه) وإلى يومنا هذا وستستمر المسيرة إلى أي يوم يوجد هناك سطوة ظالم وصرخة مظلوم في الأرض”، ويقول (رحمه الله): “إن سيد الشهداء الإمام الحسين (سلام الله عليه) عبر نهضته المباركة دل الأجيال على الطريق، وأوضح عن السبيل لعلاج مشاكل المجتمع، والحصول على سعادة الدنيا وكرامة الآخرة”.

6. رسائل عاطفية مثلت لوحة إنسانية فريدة ومميزة لا يوجد لها مثيل على مر التاريخ البشري ولن يكون لها شبيه في المستقبل، لأن ما جرى على الامام الحسين (عليه السلام) في الطف وتبعاتها العاطفية استطاعت استنهاض كوامن الخير والصلاح والاستقامة والتحرر لدى الانسان وتعزيز قدرته على محاربة ونبذ العنف والاستبداد والفساد وكل اشكال الظلم: “النهضة العاطفية التي تحيي فطرة الناس هي من أهم أسباب حفظ واقعة عاشوراء على مر التاريخ، ومن هنا تعرف فلسفة البكاء والعزاء على سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)”.

والخلاصة ان الرسائل التي سجلها الامام الحسين (عليه السلام) في الطف وايام عاشوراء الخالدة أكثر من ان تحصى او تحويها الكلمات، لذلك فان واجبنا اليوم، كما أشار السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) هو: “أن نتعرف على عظمة شخصية سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، وعلى أهداف نهضته المباركة وأن نسعى للعمل بكل قوانين الحياة التي أتى بها جده رسول الله (صلى الله عليه واله) وبينها أهل بيته (عليهم السلام) ورعاها هو (عليه السلام) بشهادته وسقاها بدمه الطاهر ثم نعرض صورتها وصورة الأئمة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين)، بجمالها اللائق ونورها المتألق إلى العالم كله”، لان الامام الحسين (عليه السلام) كان صاحب رسالة إنسانية قائمة على المحبة والسلام وان يعيش الانسان حراً كريماً غير مستعبد او مقيد او تابع، رافضا للظلم بكل اشكاله ومبرراته، ضد الفساد والافساد والاستبداد ومصادرة العقول والتفكير بمنطق القوة والغلبة.

وقد نجح الامام الحسين (عليه السلام) في تصحيح الأوضاع المنحرفة وإعادة الموازين الى عدالتها من خلال صرخة الحق التي اطلقها في يوم عاشوراء وبقيت اصدائها الى يومنا هذا، وعلى الانسان مهما كانت توجهاته الفكرية او الدينية او القيمية، ان يقتدى بهذا النموذج الإنساني العظيم ويشعر انه قريب منه ومن أفكاره لان الامام الحسين (عليه السلام) لم يتحرك من اجل هدف محدود او جماعة معينة وانما خرج من اجل كل الإنسانية وتحقيق الأهداف النبيلة التي تهدف الى تحقيق تكاملها وسعادتها.

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: