ما هي سعادة الإنسان؟

السيد صادق الشيرازي
يا أبا ذر! احفظ ما أُوصيك به تكن سعيداً في الدنيا والآخرة.
يا أبا ذر! نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.
يا أبا ذر! اغتنم خمساً قبل خمسٍ: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك…».
يأمر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في هذا القسم من وصيّته أبا ذر رضوان الله تعالى عليه أن يعمل بوصاياه، ليحظى بسعادة الدنيا والآخرة.
إنّ الراحة وطمأنينة النفس الإنسانية أفضل مقياس لتحقّق السعادة، لأنّ جميع مصاديق السعادة الأخرى تعود في نهاية المطاف إلى راحة النفس واستقرارها واطمئنانها؛ فإنّ الثروة والشباب، وتناول الطعام اللذيذ والتمتع بكل اللذائذ الأخرى، تتحوّل جميعها إلى مرارة وتفاهة، ما لم تكن مقترنة براحة الروح وطمأنينة النفس.
فلو أنّ شخصاً ما قُدّم له في بيته ألذّ الطعام، ولكنه في الوقت ذاته كان مديناً بمبلغ كبير من المال يُثقل كاهله، وكان يتوقّع أن يطرق الدائن بابه في أيّ لحظة، فهو يحذر ويخاف من أن يذهب بماء وجهه، فيا ترى هل يشعر بلذّة حين يتناول ذلك الطعام؟
بينما إذا أُخبر في تلك الأثناء أنّ شخصاً ما قد سدّد عنه دينه، وأن لا مبرر للقلق والخوف، ثم إنّه بعد ذلك انشغل بتناول مجرد الخبز اليابس والماء، ثم سئل عن نوعي الطعام؛ أيّهما ألذ: الطعام الأوّل مع القلق، أم الخبز اليابس مع راحة البال؟!
إنّ من المؤكّد أنّ اللذّة التي يستشعرها أثناء تناول الخبز اليابس أعلى بكثير من أيّ طعام لذيذ آخر، إذ لا لذّة تُستشعر مع الخوف والقلق والاضطراب.
إنّ النبيّ الأكرم صلوات الله وسلامه عليه وآله يحدّد للمؤمنين كافّةً ـ وبوضوح بالغ ـ نوع الدواء الناجع ليحقّقوا السعادة في الدنيا والآخرة، أي ليعيشوا دائماً في راحة واطمئنان، ذلك لأنّ هذه الخصوصيّة ستؤثّر على جميع مظاهر ومصاديق السعادة.
ويجدر بالفرد المتديّن أن يهتمّ كل الاهتمام بهذه الوصيّة ويعمل وفقها. فمعنى التديّن: أن تراعَى جميع جوانب الدين، دون الالتزام الجزئيّ به. فالدين الذي ينتهي إلى منتصف الطريق لا يُسمّى ديناً، ولا يعالج أمراً، ومن ثم فإنّ ثمرة الدين وفائدته ونتائجه الإيجابيّة إنّما تتّضح وتتبلور حينما تحظى جميع مسائل الدين بالاهتمام اللازم.
أمّا ظاهرة (الانتقائية) في مسائل الدين وأحكامه التي يصفها الله (تبارك اسمه) في القرآن الكريم بقوله تعالى:
(وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ)(1).
فتعتبر بمثابة الآفة التي تستولي على قلب الإنسان وسلوكه وتنتهي بإيمانه إلى الضياع، والله سبحانه وتعالى يصف من تستولي عليه هذه الظاهرة في الدين بقوله الصادق والصارم:
(أولئك هُمُ الكافرونَ حقّاً)(2).
إذ استيلاء هذه الظاهرة على القلب والفكر، تعني ـ والعياذ بالله ـ التلبس التامّ بالكفر.
أمّا إن عمل الإنسان بجميع تعاليم الدين والتزم بجميع أبعاده، وحقّق السعادة التي تمّ توضيحها له، فإنّه لن يعاني صعوبة، أو يعذّبه ويقضّ مضجعه نوعُ اضطراب، وإن قضى الأيام عطشاناً والليالي جائعاً.
إنّ أبا ذر رضوان الله تعالى عليه الذي هو من جملة تلامذة هذه المدرسة المحمديّة، ومن عمل بوصايا النبيّ العظيم صلّى الله عليه وآله، يعتبر أفضل وأسمى قدوة ومصداق لهذه الحقيقة، فهو قد توفّي جائعاً عطشاناً، وحيداً في صحراء المنفى الحارقة، ولكن موته كان مقروناً بالسعادة والعزّة، ولم يشعر بالخواء الروحي أبداً، كما لم يحسّ بالتعب والعطب مطلقاً، وإنّما ودّع الدنيا برضىً تام وراحة بال مطلقة، إذ رغم عطشه وجوعه، وفقره وحاجته الماديّة، لم يستسلم للظلم والجور.
لاشك أنّه لم تكن لأبي ذر خصوصية باعتباره مخاطباً، وإنّ خطاب النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله كان موجّهاً إلى جميع الناس، وعلى مرّ التاريخ.
نعمتان مجهولتان
يشير النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله هنا إلى نعمتي الصحّة والفراغ اللتين يتمتّع بهما أكثر الناس، ولكنّهم لا يعرفون قيمتهما، فهم مغبونون تجاههما.
إنّ مفردة (الغَبن) غالباً ما تستخدم في القضايا الماليّة، وقليلاً ما تستعمل في غيرها. فهي تستخدم للتعبير عن انخداع أحد طرفي العقد أو التعامل في تحديد ثمن السلعة. وحكم الغبن معلوم في المسائل الماليّة.
فإذا اشترى شخص ما سلعة، ولم يكن يعلم سعرها الحقيقي، فدفع ألفي درهم لما قيمته ألف درهم مثلاً، فإنّه يعتبر مغبوناً بألف درهم، لكونه انخدع بالألف الأخرى، وكذلك شأن من يخدع بأقوال وأكاذيب الآخرين، فهو في واقع أمره مغبون خاسر.
وإنّ إحدى نعم الله سبحانه وتعالى التي لا يُعرف قدرها عادةً، نعمة السلامة والصحّة، إذ مادام الإنسان بريئاً من المرض ولم يُصَب بأوجاع في الرأس أو الظهر مثلاً، فإنّه يستطيع التنعم بلحظات عمره.
ومن المؤكّد أنّ أكبر منفعة في عمر الإنسان هي ذكر الله تعالى، ويمكن التنعّم بهذه المنفعة في حال الصحّة والسلامة على أتمّ وجه، كأوقات ما قبل النوم ولدى الذهاب والمجيء، ولكن قدرة الاستفادة من هذه النعمة الكبرى تقلّ حالة السقم والمرض.
وابن آدم يتنبّه ـ بندم رهيب ـ بعد الموت إلى ما فقده في هذه النعمة وبركاتها العميمة.
فكم من ملايين المرّات قد تناسى فيها قول «لا إله إلا الله» و «الله أكبر» والأذكار الأخرى خلال حياته؟ أوليس هذا التناسي أو النسيان مصداقاً واضحاً للغبن؟
إن لم يستفد الإنسان من هذه النعم واللحظات التي لا تقدّر بثمن، فهو في واقعه مغبون، وتضييع هذه الفرص يمثّل المعنى الحقيقي للغبن.
وقد روي قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: (مغبون فيهما كثير من الناس) في بعض الروايات بعبارة أخرى، وهي:
«مفتونٌ مغبونٌ فيهما كثير من الناس»(3).
إنّ كلمة «مفتون» تعني «ممتحَن»؛ وذلك لأنّ النعم كلّما تنوّعت وتواترت على الإنسان، جعلته عرضة للامتحان والاختبار أكثر، وهكذا تتضاعف نسبة الخسارة والضرر.
وقد جاء في بعض الروايات الكريمة:
«نعمتان مكفورتان: الأمن والعافية»(4).
فالكفر يعني الستر، والإنسان الكافر هو الذي يستر عقله ويخفيه بحجب الضلالة والجهل والعناد، وعلى هذا؛ فالكافر مقصّر، لأنّه لا يستفيد من عقله بالصورة الصحيحة، رغم أنّه يفعّل طاقة عقله وذكائه وذاكرته في القضايا غير الدينيّة بشكل جيّد، ولكنّه قد أزاح عقله عن المسائل العقائديّة والمعنويّة. فهو قد لا يتناول طعاماً فاسداً، ولا يورّط نفسه في صفقة تجارية خاسرة، وقد يضفي على سلوكه طابعاً طيّباً، ولكنه على الصعيد الديني يعطّل عقله، أي: بحجبه ويقيّده دون العمل والانطلاق، مع أنه يلزمه إزاحة الستار المقيت، ليعرف ويعي حقيقة وفوائد نعمتي السلامة والفراغ، لأنّ معرفة النعم، هي الشرط الأوّل لتحقيق الاستفادة الصحيحة منها.
نعمة العيش في العصر النبويّ
لقد أكرم الله سبحانه وتعالى الناس في عصر النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أن أوجدهم في ذلك الزمان، وهي نعمة ربانيّة لا تضاهى، ولكن حيث يعسر الامتحان بتعاظم النعمة، فإنّ المعاصرين للحقبة النبويّة كانوا يعيشون ـ أثناء ذلك ـ في وضع حرج للغاية.
فمثلاً: ترى المنافقين الذين كانوا على عهد النبيّ المصطفى صلّى الله عليه وآله واختاروا طريق النفاق، أصبحوا موضع غضب ولعن، ولو أنّهم عاشوا في غير زمن النبيّ صلى الله عليه وآله واختاروا النفاق أيضاً، لكان خسرانهم أقلّ درجة.
إنّ وجود النبيّ يعدّ مصدر بركة وإلهام لجميع الأمم على مرّ العصور، فهو نور هداية وبشارة، وإنّ كثيراً من الناس قد اهتدوا إلى الصراط السويّ عبر تعاليمه الفذّة ونصائحه القيّمة صلّى ‏الله ‏عليه‏ وآله، وإنّ شعاع نور وجوده المبارك كان أكثر وهجاً لمن كان يعيش في حقبته، ومن ثمّ فإنّ اختيار طريق الضلال من قبل بعض من عاصروه صلى الله عليه وآله، يعتبر خسراناً مبيناً وتيهاً كبيراً، وليس الخاسر والتائه آنذاك إلا كالمتعثّر في الأرض البسيطة والفضاء المشرق المتوهّج.
إنّ العيش في ظلّ النعم امتحان يصل عبره من يصل إلى جنان الخلد، بينما يقع من خلاله بعض آخر في مهاوي الضياع وحضيض جهنم.
قيمة الشباب والصحة والغنى
بعد أن يبيّن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله أهميّة نعمة الصحّة والفراغ ـ فرصة الانطلاق ـ ينبّه الشباب أن يعوا قيمة العمر وكونهم شباباً، وأنّ هذه المرحلة من العمر تمرّ وتنقضي، وهي غير قابلة للاستدارة والعودة، وأنّ الإنسان يفقد أكثر قابلياته وقواه بانقضاء مرحلة شبابه، وآنذاك تجده يقول آسفاً: «ليت شباباً بوع فاشتريته!»(5).
ومفردة (ليت) يستعملها العرب للتمنّي لما لا يرجى تحقّقه.
أمّا قول النبيّ صلى الله عليه وآله في هذا الجزء في وصيّته، فيحوي إنذاراً وإخباراً، فهو ينذر الشباب بأنّ شبابهم مرحلة عابرة، وأنّه من الخطأ التساهل والتفريط به.
ثمّ يقول صلى الله عليه وآله: «وصحّتك قبل سُقمك».
إنّ أحوال الدنيا غير ثابتة، بل إنّ ذات الدنيا متغيّرة، فترى ابن آدم تارة مريضاً، وأخرى سليماً، وشأن السلامة شأن سائر النعم الدنيويّة والأحوال غير الثابتة.
ولعلّ جميع ما يتعلّق بالإنسان كالعبادة والمعاش، منوط بالسلامة والعافية، فحينما يصاب بالمرض، يفقد نسبة غير بسيطة من قدرته على إنجاز الكثير من الأعمال. ومن تراه يعمل طيلة نهاره، ثمّ ينصب نفسه لأداء صلاة الليل، تراه أيضاً يعجز عن مجرّد القيام في حال مرضه، وحالة المرض هذه تتضاعف لديه حين الشيخوخة، ومن ثمّ فإنّ للمرض وتأثيره حالة نسبيّة إزاء الشاب والشيخ. ولذا كان من الجدير بالإنسان أن يعرف قيمة سلامته، ويسعى حثيثاً لتحقيق أفضل درجات الاستفادة منها واستثمارها.
ثمّ يقول صلى الله عليه وآله: «وغناك قبل فقرك».
إنّ هذا المقطع من وصيّة الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله جدير بالتأمّل أيضاً.
ففيما يخصّ مفهومَي الفقر والغنى، يمكن القول بأنّ حالتي الفقر والغنى هما صفتان مشكّكتان، أي: إنّ للفقر من حيث المصداق درجات ومراتب متعدّدة وطبقات متفاوتة، إذ يحلّ كلّ فرد من الأفراد في المجتمع في طبقة من الطبقات. وكلّ طبقة في واقعها غنيّة إزاء ما دونها، وفقيرة بالقياس إلى ما فوقها.
وإنّ أشدّ حالات الفقر أن يجد المرء نفسه جائعاً، لأن نهاية المطاف في الفقر أن لا يجد الإنسان ما يأكل، أو يعجز عن سدّ حاجة بطنه إلى الطعام.
رسول الله والفقر
مع أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله كان قائداً وزعيماً للحكومة الإسلاميّة، وقبل ذلك كان يتمتّع بأقرب المنازل ـ على الإطلاق ـ إلى الله عزّ اسمه، إلا أنّه كان يحمّل نفسه أقسى حالات الجوع، وكثيراً ما كان يتفق أنّه صلى الله عليه وآله لم يتناول طعاماً لوجبات متتالية ثمّ يتوافر لديه المال أو الطعام فيسرع إلى التصدّق به أو إهدائه لمن يصادفه من الفقراء به.
وطالما اضطرّ صلوات الله وسلامه عليه وآله إلى شدّ ما كان يعرف بـ (حجر المجاعة) على بطنه لشدّة ضغط الجوع عليه(6).
نعم، لقد كان النبي صلى الله عليه وآله، وهو أشرف الأوّلين والآخرين وقائد المسلمين وزعيم الحكومة الإسلاميّة العادلة، يتّخذ هذا السلوك وهو في أوج السلطة والاقتدار.
ولقد ورد في الروايات عن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أنّ الجوع الذي كان يعانيه النبيّ في مدّة إقامته في المدينة المنوّرة يصل حداً لا تنفع معه مختلف التدابير ومحاولات التحمّل.
فقد أخبر صلى الله عليه وآله ذات يوم ابنته فاطمة الزهراء سلام الله عليها قائلاً:
«ما دخل جوف أبيك منذ ثلاث شيءٌ»(7).
مثل هذا الإنسان الربانيّ الخالص، يتوجّه بالنصح لأبي ذر رضوان الله تعالى عليه بأن يعي قَدْر نعمة الغنى قبل أن يحلّ به الفقر على حين غرّة.
روي عن الإمام جعفر الصادق سلام الله عليه أنه قال:
«نزل جرئيل على رسول الله، فقال: إنّ الله جلّ جلاله يقرئك السلام ويقول لك: هذه بطحاء مكة؛ إن شئت أن تكون لك ذهباً.
قال: فنظر النبـيّ إلى السماء ثلاثاً ثمّ قال: لا ياربّ، ولكن أشبع يوماً فأحمدك، وأجوع يوماً فأسألك»(8).
نعمة الفراغ
قال رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك:
«وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».
إنّ ابن آدم يعجز عن فعل شيءٍ بعد الموت، ويفقد القدرة حتى على قول «لا إله إلا الله» ويعجز عن التصدّق بأبسط الصدقات، ولذلك أضحى من الضروري والمنطقي أن يغتنم حياته بأفضل الأشكال، لأنّ المنتصر الوحيد هو من يستثمر جميع أوقاته خلال حياته المسارعة إلى الانقضاء.

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: