عندما تنقلب الفوضى الخلاقة على اميركا في سوريا

حسام زيدان

تصريحات عديدة يطلقها البنتاغون من ضمنها ما يخص سوريا، في محاولة لاحداث خرق  في مسار التحولات السياسية في المنطقة، بعد وصول الرئيس الاميركي بايدن الى البيت الابيض، البنتاغون يعلن وبدون مقدمات أنّ القوات الأميركية الموجودة في سوريا لم تعد مسؤولة عن حماية النفط وأن واجبها الأوحد بحسب تعبيرهم، هو مكافحة تنظيم “داعش”، في تعديل للأهداف التي حدّدها لهذه القوات الرئيس السابق، دونالد ترامب.

باختصار فإن الوقائع على الارض تثبت ان كل كلام البنتاغون ما هو الا هراء وترهات، فمن عادة أميركا استخدام أوراقها مع وصول كل ادارة جديدة للحكم، وهذا يؤكد انه من المبكر الحديث عن حدود ومساحة المواجهة المحتملة في عصر بايدن وادراته في البيت الابيض، فالدولة العميقة في الولايات المتحدة الامريكية، والتي تحكم بشكل فعلي، بالغت كثيرا في الصعود للشجرة السورية، ولم تترك اي فرصة لكي نصدق ما ينتج عن مؤسسات الحكم في واشنطن، ويعزز الثقة ان بايدن الذي يسعى لالتقاط الانفاس بعد تسلمه الرئاسة حديثاً، لم يوفق في المقاربة بين تصريحات ادارته السياسية والتحرك الميداني لقواته على الارض، فالقوات الامريكية المنتشرة في حقول النفط السورية في الجزيرة شمال شرق البلاد، لم تشهد اي تغير حتى الان، والواقع كما هو، وماتزال القوات الامريكية تتمركز في حقول النفط الأساسية وذات الانتاجية العالية مثل (الشدادي – حقل العمر – حقل كونيكو ورميلان) وباقي الحقول الاخرى في ريف دير الزور الشرقي والشمالي الشرقي على عكس ما جاء في تصريحات البنتاغون، وما التصريحات الامريكية الا ضربات تكتيكة سياسية، تسبق اتضاح سياسة بايدن تجاه المنطقة، فالتعزيزات العسكرية والارتال لم تتوقف، وتدخل بشكل شبه يومي وتتجه غالبيتها الى ريف الحسكة الجنوبي وريف دير الزور الشرقي، وفي بعض الاحيان يجري نقل تعزيزات عسكرية ولوجستية جوا الى قاعدة الشدادي، كذلك بناء مطار عسكري جديد في حقل العمر النفطي في ريف دير الزور، اضافة لذلك نقلت القوات الامريكية منذ مطلع الشهر الجاري عناصر من قواتها المتواجدة في العراق الى سورية مهمتها الاساسية حماية حقول النفط والغاز، في خطوة تسبق الاستغناء عن خدمات قسد في هذا المجال.

ومع ازدحام العبث السياسي الامريكي، وحمى تصريحات البنتاغون، تستمر – حتى تاريخه – عمليات سرقة النفط باستخدام المعابر غير الشرعية ونقلها بصهاريج وعن طريق معبر سيمالكا بعد انشاء خزانات كبيرة الحجم في الجانب السوري وافراغ حمولات الصهاريج ليتم ضخها عبر انابيب تم مدها في نهر دجلة الى الاراضي العراقية. ما يجعل كل تلك الرسائل المتناقضة على لسان موظفي حكومتها الجديدة، يضاعف حجم الاحجيات التي يراكمها الامريكي يوما بعد يوم، ما يجعل من الصعب البناء سياسيا على الادارة الجديدة، ويوحي بالتشويش والكذب والخداع، بالحد الادنى خلط المعطيات على الارض، واستخدام قضية الاحتلال الامريكي لارضي سورية، كحالة مبارزة رخيصة هدفها الداخل الامريكي، وتسويقا فاشلا لاختلاف سياسة بايدن عن سلفه ترامب.

ان استمرار التمركز والتموضع للقواعد الامريكية في حقول النفط السورية، وتدفق الامدادات اللوجستية لحقلي كونيكو والعمر في ريف دير الزور، يؤكد على ان المنطقة مازالت مسرح تجريب للسياسيات الامريكية، والتي تلعب في الوقت الضائع، كونها تنتقل من مأزق الى اخر في شمال شرق سورية، بعد فشل ادواتها في تثبيت قواعد اشتباك سياسية وعسكرية، ما يجعل المنطقة في المدى القريب والبعيد، ضمن اللعبة السياسية الامريكية، التي تحاول ترتيب الاصطفافات السياسية في المنطقة والاقليم من جديد.

يدرك صانع السياسة الامريكي، فشل العدوان على سوريا، لكنّه لا يريد الخروج من الاشتباك الكلّي، لذلك نرى ونسمع بشكل دائم زج اسم داعش، في كل نقاش او تصريح يخص التواجد الامريكي في المنطقة، للمساهمة وفرض الشروط في اي معادلة استقرار في المنطقة، بالاضافة الى دفع الميدان السوري الى الاشتعال من جديد، لذلك نلاحظ ان تصريح البنتاغون لم ينسى هذه الجزئية، ليعمم الرسالة ان داعش عادت بأوامر امريكية ومن الكيان الاسرائيلي، لتشكل حالة استنزاف للجيش السوري ومحور المقاومة من الناحية العسكرية، وان كل ما يسعى اليه الامريكي هو تثبيت قواعد اشتباك، وان يضمن تفاهمات مع حلفائه في قسد، ليبقي اجندة العدوان مفتوحة، ويثبت حمق السياسة الامريكية، التي حاولت من خلال الفوضى الخلاقة تدمير البنية الاساسية للدولة السورية، لتنقلب النظرية عليها، وتصبح الفوضى في شمال شرق سوريا، من اسباب هزيمتها وخروجها بشكل فعلي من المنطقة.

التعليقات مغلقة.