صبر ايران وجزع اميركا

محمود الهاشمي…

جميع الذين كتبوا عن الشعب الايراني أكدوا انه شعب فيه خصلتان (الصبر والتدبير) وكما يقول المثل الفارسي (الصبر شجرة جذورها مرة وثمارها شهية).
بهذه المقدمة نذهب الى الكيفية التي راهنت فيها ايران على انهيار قطبين كبيرين هما (الاتحاد السوفيتي وامريكا ) .
انطلقت الثورة الاسلامية في ايران عام 1979م
وفي وقت كان العالم يشهد حربا باردة بين القطبين الرئيسين (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ) وبين عقيدتين (الشيوعية والرأسمالية) فكيف لعقيدة تختلف مع الاثنين
وترفع شعار (لا شرقية ولاغربية) ان تنهض وان تصنع تجربتها الخاصة بها فيما ليس هنالك من سبقها بهذه التجربة (الحكم الاسلامي) الا قبل الف واربعمائة عام ،وليس هنالك من نموذج قريب تحتذي به ، وقد ملئت رفوف المكتبات العالمية مئات الكتب التي تنتقد الاسلام وانه بات قديما ولايصلح لادارة الحياة !
كان الامام الخميني هو (سر الثورة ) فالذين لازموه سواء في شبابه او شيخوخته عرفوا عنه سعة الصدر وصواب الرأي والبصيرة والايمان بالله بانه ناصر عبده ولو كره المنافقون .
كان الامام الخميني (قدس)يؤمن بان الثورة تنطلق من ايران رغم قوة وجبروت النظام الشاهنشاهي وارتباطاته بالغرب وامريكا .
بعد نجاح الثورة في ايران كان عمر الامام انذاك (77) عاما وهو في طور “الشيخوخة “فيما تحتاج الثورة الى جهد وعمل استثنائي سواء على مستوى الداخل او الخارج ،فكيف تقام تجربة اسلامية جوار (دولة شيوعية) مثل الاتحاد السوفيتي او دولة متعصبة قوميا مثل العراق ،ودول عميلة ومحميات اميركية مثل دول الخليج ،وتواجد اجنبي كبير واضطرابات في دولة مثل افغانستان ؟
اعتقد كثيرون سواء في المنطقة او العالم ان هذه التجربة (الاسلامية) لايمكن لها ان تدوم وسوف تكون سببا في تدمير ايران وتأريخها ،واعتقدوا (لايمكن للعمامة ان تنهض بتجربة سياسية او اقتصادية لما عرفوه عن رجال الدين بانهم ليس اكثر من دعاة للشؤون العامة للدين ،وللنصيحة القيمية ،بل وأخافوا الشعوب من عودة (حكم الدين ) كما كانت عليه اوربا بالقرون الوسطى .)
اول مشكلة واجهت الثورة الاسلامية هي الحرب مع العراق ،حيث بدأت بعد اقل من عام على انطلاق الثورة ،وكان يعول عليها افشال مشروع الثورة لكن الامام الخميني قال عنها (الخير فيما وقع ) !
ورغم طول امدها (8)سنوات الا انها ثبتت ركائز الدولة الاسلامية الفتية وبرهنت على قوتها وصمودها سواء في التعامل مع بقايا نظام الشاه او الاحزاب المتآمرة وارتباطاتها الخارجية مثل (مجاهدي خلق ) او مع القيادات العسكرية وولاءاتها ،او الاصعب من ذلك ،ان تصبح العقيدة الاسلامية بالشكل الذي تجعلها حاكمة في كل شؤون الحياة دون ان تقسر الناس عليها او تثلم من جوهرها .
كان توقع الامام الخميني (قدس) بان (الشيوعية ستذهب الى متحف التاريخ ) دقيقا وقد انهارت وذهبت ،وكانت المعانات الاكبر في مواجهة (التفرد الاميركي) بعد ان انهارت المنظومة الاشتراكية واشتعلت الحروب الاهلية ،وكيف لايران الاّ ان تقف مع الحق ومع المسلمين في (البوسنة) وغيرها ونصرتهم .
ربما هي اصعب ايام عاشتها الثورة الاسلامية في ايران ،في سلسلة قرارات الحصار واحتجاز اموال الشعب الايراني من قبل امريكا وبدلا من الذهاب الى الوراء او الى هذه الجهة الدولية او تلك كان الذهاب الى الله سبحانه وتعالى .
قَالَ جابِرٌ: الانصاري كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللِّهِ ﷺ بذاتِ الرِّقاعِ، فإذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجرةٍ ظَلِيلَةٍ تركْنَاهَا لرسول اللَّه ﷺ، فَجاء رجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِين، وَسَيفُ رَسُول اللَّه ﷺ مُعَلَّقٌ بالشَّجرةِ، فاخْترطهُ فَقَالَ: تَخَافُنِي؟ قَالَ: لا قَالَ: فمَنْ يمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللَّه) فالله هو الذي رعى الثورة وجنبها الانهيار .
واجهت الجمهورية الاسلامية امريكا وجبروتها بمعادلة صعبة التطبيق وتحتاج الى صبر خاص والى شعب متميز مؤمن وقيادة حكيمة ،فالعقوبات شملت جميع مرافق الحياة ،وبات استيراد الادوية والاجهزة الطبية صعبا ،في وقت استخدمت الولايات المتحدة جميع ادواتها واجهزتها الاعلامية لحث الشعب الايراني للتمرد على قيادته وحكوماته ،ورسم صورة مظلمة لمصيره ،وبين خيار (الجوع او الاستسلام) ورغم ان الشعب الايراني راهن على اتفاقية (5+1) ومافي ذلك من امتيازات لصالح ايران ،الا ان انسحاب امريكا من الاتفاق وفرض المزيد من العقوبات على الجمهورية الاسلامية شملت اصغر الموظفين والمصارف والمؤسسات ،فكان امتحانا صعبا .
كان تذكير الامام الخامنئي للشعب الايراني باحداث الاسلام اول نشأته والتحديات التي واجهت الرسول الكريم وال بيته واصحابه خاصة حصار (شعب ابي طالب ) وحصار (الخندق ) واسباب الهجرة الى المدينة وغيرها ،قد شجعت القيادات السياسية والدينية والعلماء والمفكرين ان ينتصروا على امريكا وعقوباتها عبر البناء والاعمار وزيادة الانتاج والزراعة الواسعة واستخدام التقنيات وايجاد مصادر للتصدير والاستيراد للمواد المهمة فتحولت ارض ايران الى ورشة عمل والى معامل ومصانع وانتاج والى مزرعة تطعم شعبها وتقيه الحر والبرد .
ان واحدة من اسباب قوة وصمود ايران هو العمق الاستراتيجي لها خارج حدودها ،فقد تمكنت ان تتمدد على مساحة المنطقة وان تحاصر اعداءها في عقر دارهم وصناعة مقاومة اسلامية بروح ثورية ونبوغ شخصيات ورموز اجتمعت بهم الشجاعة والبصيرة والحزم ،فخاضوا غمار الحروب مثلما خاضوا السياسة ومناهجها فكانوا عونا لدولهم ولامتهم الاسلامية جمعاء ولاحرار العالم .
كان صبر القيادة الايرانية هو الاصعب خلال ادارة الرئيس الاميركي ترامب(2016-2020) في امرين الاول تشديد العقوبات والثاني الدفع ببعض دول المنطقة نحو التطبيع مع
الصهاينة وتقوية شوكت العدو وفوق ذلك لكنهم راهنوا على صبر شعبهم خاصة وان اغتيال ابطال النصر سليماني والمهندس اوجع قلوب القيادة والشعب بايران والعالم الاسلامي واحرار العالم وكان الحماس ومايزال كبيرا للرد الموازي والمعادل لحجم الجريمة ،لكن القيادة الايرانية ومحور المقاومة راهنوا على الصبر والزمن حتى تنجلي الانتخابات الاميركية ويتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود ،لان انتخابات (2020) الاميركية تعد الفاصل الكبير في تاريخ امريكا ،بعد سلسلة انهيارات اقتصادية وسياسية واجتماعية
وانذار لعصر جديد يخلو من الهيمنة الاميركية وتفردها .
كانت المدة الزمنية لتداول السلطة في امريكا تحتاج هدوء اعصاب كبير فقد استخدم ترامب المهزوم بالانتخابات كل صلاحياته للضغط على الجمهورية الاسلامية عبر استقدام البوارج الحربية النورية وحاملات الطائرات الى المنطقة والتصريحات النارية بامكانية الحرب ،لكن قادة الجمهورية الاسلامية كانوا على علم انها (رفسات ميت) وان كانوا قد ردوا في مناورات وزيارات لمواقع عسكرية واستراتيجية والكشف عن انواع جديدة من الاسلحة .
الهجوم على مبنى مجلس النواب ،قد كشف زيف الديمقراطية في امريكا ،وافصح عن انهيار كبير لبنية الدولة اقل ماينتج عنه ان تعود امريكا الكونفدرالية وليس الفيدرالية ،وقد تكون الحرب الاهلية احد تجلياتها ،فيما تقف الجمهورية الاسلامية بكامل قواها وعقيدتها الاسلامية شامخة واذان (الله اكبر ) يغطي مساحتها الجغرافية ويعبر بالاف الكيلو مترات الى الاقصى من الارض .
كانت مؤلفات السيد محمد باقر الصدر (قدس)
فلسفتنا واقتصادنا التي تؤكد ان البديل الحاكم لاهل الارض هو الاسلام وليس الانظمة الوضعية من الشيوعية والرإسمالية وغيرها ، وهاهي الحقائق تثبت على الارض .

التعليقات مغلقة.