لغة اللغات.. العربية الفصحى


يوسف أبو لوز..

بتحفظ، وربما على شيء من التردد اختارت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1973 اللغة العربية لغة رسمية (سادسة) في التعاملات اللغوية والتحريرية والرسمية في المنظمة، وقبل ذلك أجازت المنظمة، بصعوبة كما يبدو في العام 1954 ما يُسمّى (الترجمة التحريرية) فقط إلى اللغة العربية، بحيث تتصل ترجمة هذه الوثائق إلى العربية بما هو سياسي أو قانوني. وبكلمة ثانية، على الرغم من تاريخية اللغة العربية وتراثها الأدبي والفكري والعلمي، وأقدميتها في هذه المجالات على الإنجليزية والفرنسية، إلّا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تعاملت مع اعتبارية هذه اللغة التي يتحدث بها اليوم نحو 300 مليون نسمة حول العالم تعاملاً ضيقاً لا يخلو من ضيق أفق ثقافي أولاً، وثانياً، لا بد أن هناك من كان يقف ضد الاعتراف العالمي بالعربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلّا، كيف نفسّر صعوبة تخطّي كل العراقيل الإدارية والسياسية التي أخرت اعتبار العربية لغة رسمية دولية في الأمم المتحدة؟
لا يهم كل ما سبق، فقد احتاج السياسيون الرسميون في الأمم المتحدة إلى سنوات طويلة ليعرفوا أن العربية هي أكثر من لغة، وأكثر من أداة أبجدية للتخاطب وتحرير الوثائق وترجمة المواد السياسية والعقود والاتفاقيات الدولية.
اللغة العربية بدأت بلا تنقيط، ولجأت إلى تنقيط الحروف لأكثر من سبب، من بينها توسع رقعة الدول والشعوب والقوميات والثقافات التي أخذت تقرأ وتكتب بالعربية.
اللغة العربية لغة الكناية، والاشتقاق، والأضداد، والمجاز، والتورية، والطباق، والجناس، والإدغام، والحروف الشمسية والحروف القمرية، أو هي لغة اللام القمرية واللام الشمسية.
اللغة العربية هي لغة الإفراد والتثنية، وهي لغة الجمع (أكثر من جمع.. جمع الجموع، وجمع التكسير)، وهي لغة الرفع والنصب والجر ولغة التنوين، كما هي لغة الضمائر: المتكلم، المخاطب، الغائب.
اللغة العربية لغة أفعال وأسماء وحروف: حروف الجرّ، وحروف العطف، وهي لغة معلوم، ولغة مجهول وبناء على المجهول.
اللغة العربية لغة جمل فعلية، وجمل اسمية، وجمل معترضة، وهي مضاف، ومضاف إليه. لغة تذكير، ولغة تأنيث، ولغة نحو وصرف وبلاغة وفصاحة.
اللغة العربية لغة أعداد ورياضيات وعلوم وعروض وموسيقى. وهي لغة المستويين: المستوى الشعبي (اللغة المحكية أو لغة اللهجات المحلية في البلدان العربية)، والمستوى الفصيح أي لغة الأدب والتعامل اليومي الرسمي.
اللغة العربية لغة الجماليات والفنون والأدب. هي لغة الشعر الغنائية، التقابلية، الإيقاعية، وهي لغة الدين الخشوعية الإيمانية، ولغة التصوّف، ولغة الفكر.
هذه هي اللغة العربية، وهي أيضاً لغة معجمية، اصطلاحية، تفسيرية، تأويلية، تظهر عبقريتها أكثر ما تظهر في معاجمها اللغوية والتاريخية والشرحية، فهي لغة «لغات» ولغة شعوب ولغة قوميات ولغة أنساب ولغة قبائل ولغة أعراق وأصول وجذور وفروع انصهرت وذابت وتوحّدت وتشكّلت أخيراً في اسمها العالمي: اللغة العربية الفصحى.

التعليقات مغلقة.