هل أصبح القلب الصناعي معدناً نابضاً بالحياة؟

داليا طه ياسين
لا شكَّ في أن لكلِّ عضوٍّ داخل جسم الإنسان أهميته ودوره، ولا يرغب المرء بالاستغناء عن أيٍّ منها إن أمكن؛ إلا أن المؤكد أيضاً أن الأهمية النسبية، وكذلك المهام؛ تختلف من عضوٍ لآخر؛ إذ إن بإمكان الإنسان العيش بدون لوزَتين؛ كما يمكنه الاستمرار في حياته بكلية؛ أو عين؛ أو أذن واحدة؛ وإن كان ذلك سيؤثر في حالته العامة بطبيعة الحال، ولكن الحقيقة المطلقة هي أن الإنسان لا يستطيع العيش لحظة واحدة من دون قلب؛ هذا العضو الذي يبثُّ بخفقانه الروحَ في الجسد، ويعني توقّفهُ تحوّلَ الإنسان إلى جثةٍ هامدة.
ولِما للقلب من أهمية قصوى؛ فقد نال نصيباً وافراً من الأبحاث والدراسات التي تمحورت حول معالجة الأمراض التي تصيبه، ونجح الإنسان إلى حدٍّ بعيد في جعل القلب يستمر بالخفقان؛ على الرغم من عديد الأمراض التي تصيبه، ولكن بعض الأمراض التي تصيب هذا العضوَ الذي أبدع الخالق في خلقه؛ ظلَّت عصيَّةً على العلاج؛ ما دفع الإنسان للبحث عن حلول أخرى؛ لعلَّ أهمها زراعة قلبٍ طبيعيٍّ تبرع به شخص ما قبل وفاته.
بديلٌ حتمي
ليس من السهل أبداً الحصول على قلب طبيعي تبرع به صاحبه قبل أن يفارق الحياة؛ فمن النادر أن يتبرع شخص ما بعضو أو أكثر من أعضاء جسمه من أجل مساعدة مرضى يحتاجون إلى زراعة أحدها لإنقاذ حياتهم، وعليه كان لزاماً على الإنسان البحث عن حلول أخرى تكون في متناول اليد على الدوام، وهو ما دفع العلماء إلى التفكير بصناعة «قلب صناعي» يُزرع مكان القلب الحقيقي ويقوم بأدواره، ويمكن من خلاله إنقاذ أرواح كثيرة.
انطلقت أولى محاولات العلماء لتحقيق هذا الهدف السامي منتصف القرن الماضي؛، ونجح العالم والطبيب الهولندي وفريق من العلماء يعمل تحت قيادته؛ في ابتكار أول قلب صناعي، وجرَّبوه على الحيوان عام 1957، وبعدها استمر العلماء في تجارب زراعة القلوب الصناعية على الحيوانات؛ خصوصاً العجول؛ بهدف التعرف إلى العقبات التي قد تعترض طريقهم نحو تحقيق هذا الإنجاز الكبير؛ أو المشكلات التي يمكن أن يتسبب بها القلب الصناعي للإنسان.
أولى التجارب
شهد عام 1969 أول تجربة للقلب الصناعي على الإنسان؛ حين قاد فريق من العلماء والأطباء من معهد تكساس للقلب في الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم والطبيب ونتون كولي؛ هذه التجربة من خلال استخدام جهاز يدعم دوران الدم بشكل مؤقت لأحد المرضى إلى حين توفر قلب طبيعي له، وقد نجح الجهاز في إبقاء المريض على قيد الحياة لما يقارب 3 أيام؛ إلى أن أُجريت له عملية زراعة قلب حقيقي أنقذت حياته.
لم تتوقف عجلة الأبحاث عن الدوران؛ فالدور المؤقت الذي يقوم به القلب الصناعي لن يفي بالغرض؛ إذ ليس من الممكن الحصول على قلب حقيقي في أي وقت، وفي عام 1982 نجح فريق من الجراحين من جامعة «يوتا»
الأمريكية يقودهم الطبيب الجراح وليم ديفرايز؛ في زراعة أول قلب صناعي دائم كبديل للقلب الحقيقي، وأُطلق على القلب الصناعي اسم «جارفيك-7» نسبةً للطبيب الأمريكي روبرت جارفيك الذي ابتكره، وكان يعمل بالقدرة
الهوائية، وعلى الرغم من أن المريض الذي زُرع له ذلك القلب عاش قرابة 4 أشهر فقط؛ فإن استخدامه شاعَ بعد ذلك.
نقاط ضعف قاتلة
كانت نقاط الضعف في القلوب الصناعية التي تعمل بالقدرة الهوائية؛ قاتلة؛ إذ تسببت بسكتات دماغية لبعض المرضى، والتي نجمت عن جلطات في الدم تكونت في المضخات؛ ما أدى إلى انسداد شرايين الدماغ، وهو ما دفع العلماء
إلى التفكير في ابتكار وحدة قدرة خارجية كبيرة وأنانبيب هوائية، وبالفعل تمكنوا في ثمانيات القرن الماضي من ابتكار قلوب صناعية كهربائية تعمل إما بتيار منخفض الجهد؛ أو بالبطاريات، وأجروا عديد التجارب عليها من دون أي حاجة إلى فتحات في جلد الإنسان.
“معادن خفَّاقة”
يستخدم الكربون والبلاستيك والتيتانيوم في تجهيز القلوب الصناعية التي تضم مضختين يتفرع عن كلٍّ منهما صمامان؛ أحدهما للإدخال، والآخر للإخراج؛ إضافة إلى جهازين يتولى أحدهما تنظيم معدل الضخ؛ في حين يقوم الآخر
بتشغيل المضخات، وقد أجريت أول عملية زرع قلب صناعي بالكامل بتاريخ 18 ديسمبر/كانون الأول في مستشفى جورج بومبيدو الأوروبي بفرنسا؛ إلا أن للقلوب الصناعية أنواع عديدة، وتختلف تواريخ زراعة كلٍّ منها.
ومن أنواع القلوب الصناعية؛ القلب الاصطناعي Abiocor، والذي زُرع لأول مرة في يونيو/ حزيران 2001 بمستشفى لويفيل في ولاية كنتاكي الأمريكية، والقلب الاصطناعي Jarvik-7)) CardioWest؛ وكان أول نموذج قبل أن يُطوَّر، وزُرع للمرة الأولى عام 1982، وغيرها الكثير.

التعليقات مغلقة.