الحلول الصعبة ممكنة إذا فهموها صح..!

عمار محمد طيب العراقي

واحدة من أهم مشكلات الحياة السياسية فى العراق، هى ما يسمى «ضعف الكوادر الحزبية والسياسية» والتى تعنى أن أولئك الفاهمين للعمل الحزبي، والقادرين على التعاطي الإحترافي الإيجابي مع المشهد السياسى هم قلة، وأن هذه القلة فى معظمها غير ذات كفاءة.
فى تحليل الظاهرة قبل أن أتوقف قليلا أمام أسبابها، فلا يمكن مثلا، تحليل ظاهرة ضعف خريجى الجامعات وقلة مهاراتهم، دون تحليل عطب النظام التعليمى أولا، وبالمثل فمن غير المنصف أن نحلل ضعف الكوادر الحزبية أو السياسية، دون تحليل مشكلات البيئة السياسية فى العراق بشكل عام.
تضغط البيئة السياسية؛ على الأحزاب والقوى السياسية، لتقوضها فى ثلاثة مناح رئيسية:
أولا/ أن أجهزة الدولة العميقة ترفض وتخشى، ومعهما فى ذلك السلطة التنفيذية بالقطع لأنها جزء منها؛ عملية التعددية الحقيقية لأنها لا تثق إلا فى «رجالها»، ممن يرتبطون معها بصلة وثيقة، إما بشكل مباشر أو عبر توصيات رجالها..وهذه المشكلة تأتى بالأساس بسبب ارتباط العراق، لفترة طويلة بتجربة الحزب الواحد، الذى يعمل كعصب للدولة والنظام معا، ولا يمكن الولوج إلى الشأن السياسى العام، أو إلى عملية صنع القرار إلا من خلاله.
ثانيا/ نتيجة للنقطة السابقة؛ فإن ثقافة المواطن أصبحت تعتبر العمل الحزبي، إما من قبيل الترف وإما من قبيل التهديد الأمني، وباستثناء شهور معدودة أعقبت تغيير النظام الصدامي، فإن الناس عادة ما تتمنى أن يكون هنالك حزبا واحدا فقطـ هو القادر على تسيير الأمور وتحقيق الرغبات لأنه «حزب السلطة»، بينما الأحزاب الأخرى؛ هى إما ورقية أو تلعب دور مخطط لها مسبقا، لذلك ترسخ فى ذهن المواطن أن التعددية مجرد «ديكور»، للتخديم على الحزب الواحد القوى والقادر على قيادة البلاد.
ثالثا: نتيجة لما سبق، أصبحت العلاقة بين النظام «الدولة» والمواطن هى علاقة «زبائنية»، فالدولة تقدم فرصا اقتصادية واجتماعية (مدخلا للشركات العامة والخاصة، فرصا للتوظيف، توكيلات تجارية، تسهيلات استثمارية وعقارية.. إلخ) لوسطاء «نواب وسياسيين وحزببين» فاهمين لقواعد اللعبة، ولا يتخطون الحدود المرسومة لهم مسبقا، فى مقابل الحصول على «توكيل الدولة»، للتوظيف والخدمات العامة لتقديمها للعامة، وهكذا فإن العلاقة من رأس الدولة وحتى المواطن، مرورا بالوسطاء السياسيين والحزبيين، هى علاقة زبائنية للعبور إلى مصادر الدخل والثروة والموارد فى إطار تعددى مصطنع.
وهكذا ونتيجة لكل ما سبق، تضعف البنية التنظيمية للأحزاب، وتندر مواردها وتكثر خلافاتها، ويتم استنزافها على أصعدة داخلية وخارجية، وقطعا يتم عقاب من يحاول الخروج من قواعد اللعبة المعدة سلفا.
على الرغم من كل ذلك، فلابد للأحزاب وخصوصا فى الأوضاع السياسية الغامضة حاليا، ومع غياب حزب سلطة قوي، يوفر بإيمان حقيقي؛ فرصة للضغط فى اتجاه التعددية الحزبية، فإن الأحزاب السياسية ،يجب أن تأخذ على محمل الجد مهمة بناء وتطوير كوادرها الحزبية،
يجب ان تكون الأحزاب والحركات والقوى السياسية منظمة تنظيما دقيقا، لها هياكلها الثابتة بديناميكية عالية، ولها رجالها المدربين تدريبا جيدا على قواعد العمل السياسي، الذي يفهمه اغلب الساسة الحاليين، على انه مجرد حزمة من المناورات، التي تؤدي الى المكاسب فحسب؛ الى أدت بهم قلة خبرتهم، وفهمهم القاصر الى الوقوع في مهاوي الردى، حيث الضرر البالغ، بجدوا انفسهم بلا مكاسب حقيقية، سوى المكسب المادي الذي يعد في حسابات المنطق لا شيء..!
الحلول صعبة لكنها ممكنة للرجال المؤمنين بالمستقبل، وطبعا ستكون هنالك عقبات، لكن ستكون هنالك استثناءات، وقد لا تسير العملية ببساطة وإنسيابية وترتيب، ولكنها يجب أن تبدأ، ومازالت هناك فرص فى المشهد السياسي العراقي، رغم محدوديتها، ولا يجب أبدا حتى فى أحلك الظروف، التنازل عن مبدأ التعددية الحزبية، القادرة على تغيير قواعد اللعبة السياسية، ولا يمكن تصور وجود حياة سياسية ديمقراطية، بدون وجود أحزاب وعمل حزبي “نظيف”، ولكي تنتظم “اللعبة” السياسية، وتتحول الى “عملية” سياسية متوازنة..

التعليقات مغلقة.