ايران لم تراهن على “ترامب “ولا على “بايدن”


محمود الهاشمي…
تحاول اوساط فكرية وسياسية ان تجري مقارنة بين الرئيس الامريكي السابق ” ترامب “وبين الجديد “بايدن” في ايهما الاكثر ملاءمة لايران ، وعلى اي منهما قد راهنت!!
اذا حصرنا القضية في هذه “المعادلة” نكون قد افرغنا السياسية الايرانية من محتواها واعتبرنا ان ايران قد راهنت على مبدأ “الصدفة” في فوز هذا المرشح او ذاك، وبذا ربطت مصير البلد بنتائج انتخابات دولة اخرى، وفي هذا نكون قد جانبنا الحقيقية كثيراً، وبخسنا حق قادة الجمهورية الاسلامية وشعبها والبعد الفكري والعقائدي ومساحة الصبر والاستعدادات والانجازات المتحققة لغرض مواجهة “الضغوط” الامريكية والغربية عموماً.
قبل اربعين عاماً ،وبعد نجاح الثورة الاسلامية في ايران ،شرع قادة الثورة وعلى راسهم الامام الخميني بالمنازلة مع الاستكبار العالمي وعلى راسهم امريكا ، وكان الهجوم على السفارة الامريكية من قبل الطلبة العنوان الاول ل”المنازلة” ليتحول الى موقف وقرار في تحويل السفارة الاسرائيلية الى سفارة “فلسطين “ويعلن الامام الخميني “ان امريكا هي الشيطان الاكبر” و”لابد ان تمحى اسرائيل”.
كان يعتقد كثيرون بعدم نجاح الثورة الاسلامية في ايران لاسباب عديدة في مقدمتها ان ليس امامها “نموذج قريب “لتجربة دولة اخرى اعتمدت العقيدة الاسلامية منهجاً لادارة الدولة، وثانياً التصور العام بان “الاسلام ماعاد يصلح لكل عصر وزمان”، وثالثا ان شعار الدولة “لاشرقية ولاغربية” يجعلها بلا دعم من كلا المعسكرين “الاتحاد السوفيتي وامريكا” ، الولايات المتحدة من جانبها ادركت حجم “المنازلة “وقوة الاسلام ، فادخلت ايران في حرب الثمانية اعوام مع العراق، فيما لم يستلم الامام الخميني رسالة زعيم الاتحاد السوفيتي عام 1989 “غورباتشوف” واكد في رسالة له ان ” الشيوعية ستنتهي الى متحف التاريخ” فكان ما توقعه وتشظى الاتحاد السوفيتي وانتهت الشيوعية ( فلأن الماركسية لا تلبي شيئا من احتياجات الإنسان الحقيقية، لماذا؟ لأنها مذهب مادي”
كان عصر التفرد الامريكي هو “الاقسى على العالم” حيث تركت تداعياته انعكاساتها على اوربا الشرقية وماكانت من حروب وضحايا بالالاف، بالاضافة الى التغيرات الجغرافية ونشوء دول عديدة جديدة، وازمات واسعة ،فيما بقيت الجمهورية الاسلامية صامدة صابرة بعد ان توالت عليها العقوبات وانواع الحصار.
المنهج العقائدي للاسلام وفر مساحة كبيرة لقادة الجمهورية الاسلامية في مواجهة الضغوط الخارجية ، فالثقة بالله والايمان بالنصر واستحضار ظروف المسلمين الاولى وما واجهتهم من تحديات وكيف اجتازوها ، بالاضافة ان الدين يوقد الطاقة الروحية ويضاعف الجهد، جميعها ساعدت على الصبر والصمود، ومثلما كان البعد المثالي قد حقق الكثير في مواجهة التحديات فان البعد المادي ايضا ،حيث كان تاكيد الامام الخميني على بناء الدولة والاستفادة من طاقة الشباب ومن ثروات البلد البشرية والاقتصادية العامل الاكبر في التطور وفي صناعة دولة قوية وفاعلة في كافة المجالات، فبات الشعب يعمل ويبني ويصنع ويزرع ويأكل من ثمرات وزرع ارضه وفق اخر التقنيات الحديثة.
العقوبات التي فرضها مجلس الامن او الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي بسبب “البرنامج النووي” خلال الاعوام 2006 الى 2012، جعلت القيادة الايرانية في رهان صعب
حيث تركت هذه “العقوبات” تداعيات كثيرة على الشارع الايراني الذي اعتقد بصعوبة المواجهة، لكن ايمان القيادة متمثلة بالمرشد الاعلى كان اكبر من جميع هذه التحديات بعد تفعيل الطاقات المبدعة والرهان عليها وعلى الحرس الثوري والجامعات والمؤسسات العلمية بالشكل الذي رفعوا شعار “ساخت ايران” اي “صنع في ايران” لذا اضطرت (الدول دائمة العضوية في مجلس الامن+المانيا) ان يفاوضوا ايران وان يعقدوا معها اتفاقية (5+1) والتي فيها التزامات مالية واقتصادية كبيرة للجمهورية الاسلامية.
كان الرئيس ترامب في برنامجه الانتخابي يلوح بانه فيما اذا استلم رئاسة امريكا سينسحب من اتفاق خطلة العمل الشاملة (5+1) من طرف واحد وقد حقق ذلك عام 2018، فيما اصدر حزمة عقوبات منفردة متتالية على ايران.

كانت مراكز الدراسات الايرانية بالاضافة على ما تستفيد منه من المراكز الاجنبية تؤكد ان الولايات المتحدة آيلة الى “الضعف “حيث اكد المرشد الاعلى الخامنئي “مثلما انهار الاتحاد السوفيتي ستنهار امريكا” والمطالع لمراكز الدراسات الايرانية والجامعات سيعرف كم هي دقيقة تلك البيانات والنتائج بالاضافة الى ان المؤمن يرى في قلبه وليس في عينه دون الاستهانة بقوة امريكا وجبروتها يقول الامام الخميني “قدس سره” “اعلموا انكم تواجهون احدى القوى الاستكبارية التي ان غفلتم عنها لحظة انها ستبيد وتقضي على بلدانكم” وقال ايضاً “خطر امريكا كبير جداً الى الحد الذي سيؤدي الى قتلنا وتدميرنا في حال ارتكبنا اي خطأ او غفلة”، وبالقدر الذي اهتمت ايران بالداخل وتمترست خلف شعبها وانجازاته العسكرية والاقتصادية والدينية عملت على صناعة عمق استراتيجي في المنطقة والعالم جعل من الصعب على خصمها ان يقاتلها في ميدان واحد وفي ذات الوقت اكتشفت كل نقاط الضعف لدى الخصم وباتت تهاجمهم في ساحاتهم فقد افشلت مشروعهم العسكري في افغانستان والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن واربكت جميع مخططاتهم، بل ونازلت امريكا نفسها حين اسقطت طائرتها المتطورة واشعلت النار تحت اقدام جنودها في اغلب المناطق كما استطاعت ان تزاحم المشروع الامريكي ضدها داخل امريكا سواء في الاعلام او في السياسية والاقتصاد.
اذاً لم تكن ايران لتراهن على “ترامب” او “بايدن ” فقد تلقت فوز “بايدن “ببرود واكد مسؤولوها ان لافرق في الرؤساء لان السياسة الامريكية واحدة لكن المراهنة على التراجع الامريكي ،وهاي هي امريكا توشك على الانقسام وتعاني من ازمات عرقية ودينية واقتصادية وصحية عاجزة على مواجهتها في وقت يتشكل قطب جديد (خصم لها) نواته الصين وروسيا وايران والهندس وباكستان وفنزويلا بالاضافة الى دول وشعوب عديدة تنتظر هزيمتها.

التعليقات مغلقة.