رسالة مفتوحة إلى السيد ماكرون رئيس جمهورية فرنسا

د.محمد العبادي…
يا سيد ماكرون : يقولون أنكم بلد الثورة والتحضر ، وأن بلدكم يحترم الآخرين، لكننا شهدنا ان مبادىء ثورتكم قد حرفت، فلم تحترموا مشاعر اكثر من ١٥% من مواطنيكم من المسلمين ، حيث تكررت الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لنبينا الأكرم.
لقد بدأت القصة منذ سنة ٢٠٠٦م في بلدكم ونشرت صحفكم أكثر من (١٢) رسما كاريكتوريا واسقطوها على نبينا صاحب الخلق العظيم .
ان مما يؤسف له انك تؤيد تلك الرسوم الكاريكاتورية وتعتبرها جزءا من حرية التعبير ، ولم تقم وزنا لمشاعر المسلمين الذين يحملون الجنسية الفرنسية ولا أولئك المقيمين في بلدكم مع علمكم ان تلك الرسوم تزرع الكراهية والانقسام وتثير التوتر بين الناس .
يا سيد ماكرون : انا احد المسلمين من بين أكثر من مليار وخمسمائة مليون قد جرحت مشاعري ومشاعرهم ، وقد أحببت أن اكتب هذه الرسالة التي قد تصل اليك بعد سنين أو لا تصل اليك نهائيا . في هذه الرسالة إشارات قليلة وسريعة عن تعاليم الإسلام الكثيرة جدا والتي ربما لم تحط بها علما .
يا سيد ماكرون: ان رسول الله الذي تدعو للإساءة اليه علم أمته ان لايسخروا من الأقوام والامم الأخرى( لايسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم ) (١) .
ورسول الله محمد علم أمته الحوار بين الأمم والشعوب ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا )(٢).
لقد علم أمته ان تهتم بالقراءة والتعلم؛ فنحن أمة( اقرأ ) ونحن أمة طلب العلم والتفقه ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون)(٣). ( ولولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين..)(٤).
ونبينا هو الذي حثنا على طلب العلم وقال: (اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم )(٥).
ان رسول الله الذي لا تعرفه انت ومن حولك من مستشارين علمنا الاحسان والصفح ( فاعف عنهم واصفح ان الله يحب المحسنين)(٦) وقال تعالى :(وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم )(٧).وقال سبحانه:(أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا)(٨). بل ان الله تعالى أمر رسوله الكريم بالعفو عن كثير من اهل الكتاب الذين يودون للرسول وأصحابه الكفر ويضمرون لهم الحسد(ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا )(٩).
ان رسول الله الذي تتسامح وتساند مع من يسيء اليه علمنا احترام جميع الأنبياء والأولياء وذكر قصصهم لأمته لينهلوا من فيض التأسي بها .
ان رسول الله الذي نالته ايديكم وألسنتكم واقلامكم وافلامكم بالسوء كان قد علم أمته إفشاء السلام والمحبة (أيها الناس أفشوا السلام )(١٠). وقد ورد ان رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : أي الإسلام خير؟ قال : (تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف )(١١).
هل تعلم يا سيد ماكرون ان النبي الاعظم كان قد دخل الحروب التي فرضت عليه مكرها ومضطرا ، ولم يدخل تلك الحروب إلا للدفاع عن النفس وعن أموال وأعراض المسلمين وتأمين السبل ، ومع ذلك فقد علم المسلمين قواعد وأخلاق الحرب عند قيام قيامتها، حيث كان الرسول الأكرم يوصي المسلمين ويقول لهم ( لاتقتلوا صبيا ولا إمرأة ولا شيخا كبيرا ولامريضا ولا راهبا ولاتقطعوا مثمرا ولاتخربوا عامرا ولاتذبحوا بعيرا ولابقرة إلا لمأكل ولاتغرقوا نخلا ولاتحرقوه)(١٢)،وقد ورد أيضا( لا تغدروا ولاتغلوا ولاتمثلوا ولاتقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع)(١٣).
يا سيد ماكرون : لقد رسم الإسلام معالم العلاقة مع اهل الكتاب سواء كانوا يهودا أو نصارى أو غيرهم وارسى اسس السلام والعدالة طالما أنهم لم يعتدوا على المسلمين ،ولم يخرجوهم من أرضهم(لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين * انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين واخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم ان تولوهم ومن يتولهم فاولئك هم الظلمون)(١٤).
ان المسلمين هم أهل المنطق والحكمة والرأفة والتعاون ، وهم مسالمون مع الناس حتى ان الإسلام يدعو إلى التعاون على البر والإحسان والتقوى ،وينبذ التعاون على الإثم والعدوان وهو يدعو إلى احترام الإنسان بما هو انسان وقد كرم الله بني آدم بالعقل والعلم فنفذو إلى أقطار السماء ، وسخروا ماحملت الأرض على اديمها، وشقوا عباب البحر .
ان الاسلام فيه تعاليم متعالية كثيرة ، لكن أردت أن أشير الى جزء منها لعلك تتذكر أو تخشى .
ان نبينا فوق كل التصورات والأوهام التي ألقيت على عقلك من مسموعات مغرضة ، أو تصرفات فردية لا علاقة لها بالاسلام !.
يا سيد ماكرون : من عجائب عصرنا ان المتشدقين بالديمقراطية والحرية يريدون منا لا نمارس حريتنا في رفض الإساءات المتكررة إلى نبينا وقدوتنا في الحياة ،وان لانعبر عن حريتنا في موقفنا بمقاطعة بضائعكم .
يا سيد ماكرون ليست حرية تلك التي تمس حرية الآخرين، وليس منطقا او علما ذلك الذي يسخر من الآخرين، بل هو سفاهة وسفالة قد برزت بثوب الازدراء والاستهزاء الذي لا يليق إلا باولئك الذين لايشعرون ويفتقدون الى سعة الأفق .

١-سورة الحجرات : الآية ١١.
٢- سورة الحجرات : الآية ١٣.
٣-سورة الزمر :الآية ٩.
٤- سورة التوبة : الآية ١٢٢.
٥-روضة الواعظين، الفتال النيسابوري،ج ١ص١١.
٦- سورة المائدة : الآية ١٣ .
٧-سورة النور : الآية ٢٢.
٨- سورة النساء : الآية ١٤٩ .
٩- سورة البقرة : الآية ١٠٩.
١٠- سنن الترمذي،الترمذي،ج٤ص٢٨٦ ،رقم الحديث١٨٥٤.
١١- صحيح البخاري ، البخاري ، كتاب الإيمان، باب إفشاء السلام من الإسلام، ج١ص١٩ . الحديث رقم ١٢.
١٢- السنن الكبرى، البيهقي،ج٩ص٩٠،رقم الحديث١٧٩٣١.
١٣-مسند أحمد، احمد بن حنبل،ج٣ص٢١٨،الحديث رقم ٢٧٢٨.
١٤- سورة الممتحنة: الآيتان٨و٩.

التعليقات مغلقة.