طارات النجف بين تاريخ حافل وحاضر محزن

العهد نيوز- بغداد- خاص

رغم ان الحكومات المتعاقبة لم تعتني بطارات النجف التي تعد المعلم والارث التاريخي العظيم، الذي كان شاهدا على عصور طويلة، وتحكي عن ارض العراق وحضارتها وعصورها، الا انه ما زال بالوقت بقية، ويمكن ان تقوم الحكومة بالانتباه لهذه المعالم التاريخية، والمحافظة عليها.

الا ان المشلكة الان ما تواجهه الطارات، هي مشكلة العابثين بها، وكذلك المنتهزين الذين يريدون ضمها الى مقبرة النجف ودثر معالمها وانهاء تاريخها.

ان المختصين والمهتمين بالمعالم التاريخية الاثرية، على ثقة بان هذه الطارات التي تحمل جمالا اخاذا، لو كانت في دولة اخرى لحولتها الى جنة من جنان الارض.

فلا يعقل ان يملك العراق كل هذه الحضارة وهذا التاريخ ، ويترك بايدي اناس لا يهمهم الا مصالحهم الشخصية، ولا يكون لديهم اي مانع او وازع بتهديم ارث وحضارة العراق التي هي لا يمكن ان تكون ملكا لاحد، بل ملكا لكل العراقيين بحاضرهم ولاجيالهم اللاحقة.

لهذه فهي دعوة للحكومة بان تكون صاحبة المبادرة والتمييز، بمتابعة هذه المعلم الاثري وفتح ملفه ، وقطع ايدي العابثين به.

من جانبهم ناشد اهالي النجف بكافة فئاتهم “كل من تقع عليه يد المسؤولية وكل من يحترم ارث وتراث وحضارة بلده، بالحفاظ على طارات النجف الاشرف من التخريب والتهديم والطمر التي تمتد الى جانب بحر النجف بمسافة كبيرة، والحد من تحويل هذا الارث الحضاري والمعلم الطبيعي الفريد الى مقابر لدفن الموتى ومكبا للنفايات بغية التجاوز عليها وتحويلها الى ارض للبيع سيما بعد الاعتراف بها من قبل وزارة الصحة والبيئة كمحمية وطنية طبيعية”.

واضافوا ، ان “الطارات فيها ذكريات الاجداد والانبياء عليهم السلام، ولها امتداد تاريخي عريق تصل امتدادها الى النبي نوح عليه السلام، وتاريخ رسو سفينته على الجودي في ساحل بحر النجف الاشرف”.

ورأوا انه “من الواجب حماية هذه المناطق الطبيعية لانها مصدر اشعاع وارتباط تاريخي وثيق سيكون له اثره الكبير على جميع الاصعدة الان ومستقبلا، معتبرين ان “السماح لمن تتطاول يده عليها سيكون له عواقب جسيمة يدفع ثمنها الجميع اضافة لما سيجله التاريخ ولعنة الاجيال المقبلة”.

والطارات تكون شاخصة عندما تتجه نحو منطقة بحر النجف غالبا ما يجذب الانتباه مرتفعات صخرية غير منتظمة الشكل تسمى الطار ومجموعها طارات، والطار هو ظاهرة من مظاهر النجف الجيولوجية وتشكل الطارات الاطراف الجنوبية والغربية لهضبة النجف إذ تنقطع الهضبة بصورة حادة لتشكل جرفا صخريا بارزا يطل على الطرف الجنوبي من هضبة النجف على بحر النجف يشكل ما يعرف بطار النجف.

ان المفهوم المحلي الذي عبر عن هذه الظاهرة بالطار هو تعبير دقيق لوصف هذه الظاهرة الجيومورفولوجية وان كلمة الطار هي كلمة عربية فصيحة محوره من الطور وجمعه اطوار وهو ما كان على حد الشيء كما ورد في معاجم اللغة العربية او ربما تكون محورة من كلمة طر (بضم الطاء) وجمعها (اطرار) ويعني الطرف وكما يقال (هو يحمي اطرار البلاد) اي اطرافها والطرة هي طرف الشيء لذلك فإن استخدام النجفيين لهذه التسمية التي اطلقوها على الأطراف الغربية والجنوبية لهضبة النجف هي تسمية دقيقة تفيد معناها.

وتعرف طارات النجف بالنواويس ايضا ومفردها ناووس وقد اشار اليها سيد الشهداء الامام الحسين (عليه السلام) وهو في المدينة المنورة وهو ينبأ عن واقعة الطف في كربلاء حيث قال عليه السلام: (وكأني بأشلائي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء).

والنواويس في اللغة هي مقبرة النصارى.. حجر منقور تجعل فيه جثة الميت (كما ورد في منجد اللغة) ان الطار ظاهرة جيولوجية ويقابلها في الانكليزية (Escarpment) ويقصد بها في قاموس تلك اللغة.

عندما تمشي فوق الهضبة او عندما تتوجه نحو الهضبة تواجه حدها المقطوع..، ويحيط بهضبة النجف وامتداداتها نحو كربلاء (هضبة النجف – كربلاء) طاران الأول هو طار النجف الذي يحيط بها من جهتها الجنوبية والغربية ويقطعها باستقامة خطية تقريبا ويبلغ طوله 65كم وان اعلى نقطة ارتفاع طار النجف يبلغ حوالي 133متر وهناك نقطة عند التقاءه بالطار الثاني وهو طار السيد إذ يبلغ ارتفاها 176متر، ولكن بشكل عام فان ارتفاع الطار في النجف يبلغ حوالي 100متر عن سطح البحر.

ويبدأ ظهور طار النجف في منطقة الحيرة جنوب النجف ويتجه غربا منحرفا قليلا نحو الشمال الذي ينتهي بمنطقة التقاءه مع طار السيد وذلك في منطقة تعرف بـ(وادي اللسان) والسبب في تسمية الطار بطار السيد وذللك يعود الى دفن احد السادة العلويين الأجلاء في هذا الطار وهو الطار الثاني الذي يحيط بهضبة النجف من الجهة الغربية باتجاه كربلاء ويمتد حتى يشرف على منخفض الأخيضر.

وهنالك ظاهرة تجدر الاشارة اليها وهي نضوح المياه من بعض الطبقات الصخرية للطار وتفسيرها هو أنها مياه جوفية مختزنة في هضبة النجف قد يكون مصدرها الدائم هو مياه الأمطار وما يتسرب من مياه الصرف الصحي لمدينة النجف – وقد استخدمت الطارات ايضا كمدفن ويعود ذلك الى زمن اللخميين الذي استوطنوا الحيرة.

ومن خلال التتابع التاريخي لهذه المنطقة التي تعود إلى حقب تاريخية بعيدة ابتداءا من الطوفان في زمن نبي الله نوح عليه السلام و مرورا باستخدامها كأديرة بعد النبي عيسى بن مريم (ع) انتهاءا باتخاذها مقابر لدفن الموتى ،الا ان الثابت حسب الاثاريين بان في هذه الكهوف ما يدل على استغلالها من قبل البشر والحيونات البرية.

المؤرخ الدكتور حسن الحكيم يقول ،أن ” الطارات القائمة في مدينة النجف الاشرف تعود إلى اصول زمنية قديمة ابعد من زمن نبي الله نوح (ع) واهميتها اضافة الى قدمها فانها تشكل ارتفاعات بهياكل متعددة “.

واضاف ،انه “يمكن القول بان هناك تلاحق زمني في هذه البقعة وأن الإمام علي عليه السلام دفن بين ادم ونوح وهذه المنطقة ورد ذكرها في القرآن الكريم في أيام الطوفان حينما اعد نبي الله نوح عليه السلام السفينة للنجاة وهناك من ابتعد عنه وقال إنه سيأوي الى جبل ينجيه  من الطوفان ” .

وتابع الحكيم ان “ثوار النجف في زمن العثمانين اتخذوا من منطقة الطارات كمقرات عسكرية لهم وتطور الأمر في حقبة الانتداب البريطاني للعراق الى ربط المدينة القديمة بها عن طريق انفاق تسمى محليا بالسراديب “،مشيرا الى ان ” ابطال ثورة العشرين اتخذوها   مقرا لهم  ولذلك أن الانگليز حاولوا أن يقصفوا مدينة النجف الاشرف من خلال البحر فهدموا جزءا من سور النجف عبر هذه المنطقة حيث سمي الجزء المتهدم من السور بإسم الثلمة “.

ويرى للباحث الدكتور حمود جلاب ،أن  “الطارات كلمة بابلية كانت تدعى بجبال بابل وتسمى أيضا ( اتيرتو ) ولها اسم آخر تدعى النواويس والتي تعني مقبرة النصارى إذ كانوا قديما يحفرون الحجر في الطور لتوضع فيه رفاة الميت “.

وتابع جلاب ،أنه ” توجد هنالك مقابر للنصارى واديرة في هذه المنطقة ،اذ زار وفدا من الاوقاف المسيحية هذه المقابر خلال زيارتها النجف قبل عدة أشهر “.

و يشير علماء الجيولوجيا أن الطارات كانت مسكنا للحيوانات المائية في الحقب القديمة عندما كان منخفض بحر النجف ممتلئ بالمياه من خلال الكهوف التي تتواجد فيها تدل على وجود كائنات كانت تستخدم الطارات مسكنا لها .

التعليقات مغلقة.