معسكر علي عليه السلام بعد استشهاد الاشتر ليس كما قبله ..مقاربة تاريخية

بقلم/ الشيخ عدنان الحساني

بالرغم من كون شخصية امير المؤمنين عليه السلام ذات شأن ملكوتي وعصمة متعالية تمتاز بالتسديد والكرامة وبموهبة الشجاعة الفائقة الا انه عليه السلام كان يأخذ بالأسباب الميدانية ويتفهم متطلبات الميدان وحاجته الى شخصيات قيادية فريدة وكان ممن رعف بهم الزمان وحالفهم حظ التوفيق والايمان هو مالك بن الحارث الاشتر هذا الطود الشامخ والقائد الفذ الذي غير بقيادته موازين القوى وثبت قواعد الاشتباك خصوصا في معركة صفين تلك الحرب الضروس التي هي بحق معركة الفرقان بين النفاق والايمان وهي ابرز تجليات القتال على التأويل.

قد تكون حادثة التحكيم لها الاثر البارز في سير المعركة الا ان الاثر الابرز الذي خلف وراءه وقعا كبيرا ليس في المجال العسكري فحسب بل حتى في مجالات الادارة والسياسة هي حادثة استشهاد مالك رضوان الله عليه ولعل الرثاء الحار الذي جاد به الوجدان المقدس لأمير المؤمنين عليه السلام تجاه فقد مالك هو اشارة ونقطة فارقة في بيان اهمية هذه الشخصية وعلو شانها حيث قال عليه السلام لما بلغه نعي الاشتر: (مَالكٌ وَمَا مَالِكٌ! وَاللهِ لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً، وَلَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً، لاَ يَرْتَقِيهِ الْحَافِرُ، وَلاَ يُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ. أما والله ليهدن موتك عالما، وليفرحن عالما، على مثل مالك فلتبك البواكي، وهل موجود كمالك..رحم الله مالكا فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم)..

اذن ما نستخلصه من هذه الحادثة انها اوجدت حالة جديدة واثرت كثيرا على مسير الصراع بين معسكر الحق ومعسكر الباطل لأنها هدت عالما وافرحت عالما على حد تعبير الامام عليه السلام وفي كلام اخر لامير المؤمنين عليه السلام ان فقدانه اعز اهل المغرب واذل اهل المشرق ويقصد بالمغرب انذاك جهة الشام والمشرق جهة العراق.

ان تأوه امير المؤمنين عليه السلام على فقد مالك لم يكن يحمل طابعا نفسيا على الرغم من العلاقة الحميمة التي تجمعه مع صاحبه فكل مايبدر من وجدانه المقدس هو تعبير يعكس تجليات الحركة التاريخية والسنن الكونية المتأثرة بالاحداث فهو صلوات الله عليه يدرك وهو الاكثر تماسا مع متطلبات السنن الكونية مدى تأثير الفقد على مسيرة السنن الصالحة ومن ثم تأثيرها على الوصول الى الهدف المنشود وكما جاء في الاثر اذا مات العالم ثلمت ثلمة في الاسلام لاتسد ابدا الى يوم القيامة كيف واذا كان هذا العالم من خلص اصحابه وافضل قادته .

ان التراجع الذي اصاب معسكر امير المؤمنين عليه السلام بعد فقد خلص اصحابه وخيرة اهل الارض من الصالحين امثال عمار وابن التيهان ومالك لايدع شكا في مدى التأثير الذي خلفه امثال هولاء في حركة التاريخ وسننه حيث كان يتأوه وهو يذكرهم عليه السلام قائلا : (أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار ؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة. (قال ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة فأطال البكاء، ثم قال عليه السلام: أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه وتدبروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنة وأماتوا البدعة. دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوه)..

نحن اليوم نعيش تجليات التاريخ وسننه ونسخه المتشابهة لان السنن لاتتغير وضروراته حاضرة وصبغة الله في الصالحين واحدة فكلما ذهب صالح وفقد قائد فاعل اثر ذلك على حركة المجتمع الاسلامي ولعل ذلك نجده ماثلا في الاحداث الاخيرة فحينما فقد الاسلام قائدين صالحين من امثال سليماني والمهندس اثر ذلك كثيرا في مجريات الاحداث والسنن فمع ايماننا المطلق بان الاسلام لن يتوقف وان العاقبة للمتقين الا ان ذلك لايلغي مدى تأثر الساحة الاسلامية الجهادية بهذا الفقد نعم لازال العمل الجهادي قائما وبقوة الا انه شهد فتورا ملحوظا من بعض جوانبه قد يبقى هذا التأثر لعدة سنوات ولكن شاء الله تعالى ان يراهم شهداء فقد ادوا ماعليهم من تكاليف واعاروا جماجمهم لله تعالى في سبيل الدين والمقدسات ووضعوا بصمتهم الواضحة  في العمل الاسلامي وفي حركة التاريخ حيث كان وجودهم منعطفا كبيرا في تاريخ العراق والمنطقة وستبقى اسمائهم محفورة في ذاكرة المؤمنين والشرفاء من ابناء الامة وسيقى التاريخ يذكر ملاحمهم وستبقى تلك الملاحم تشكل حلقة مهمة من حلقات التمهيد لظهور الحق ودولة العدل الالهي وماذلك على الله ببعيد..

التعليقات مغلقة.