البَصِيرةُ لِصِناعةِ الرُّؤيَةِ

نزار حيدر
ما أَعظمَ النَّص التَّالي الوارد في زيارةِ الأَربعين {فَاَعْذَرَ فىِ الدُّعاءِ وَمَنَحَ النُّصْحَ، وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فيكَ لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الْجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَةِ، وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا، وَباعَ حَظَّهُ بِالاَْرْذَلِ الاَْدْنى، وَشَرى آخِرَتَهُ بِالَّثمَنِ الاَْوْكَسِ، وَتَغَطْرَسَ وَتَرَدّى فِي هَواهُ، وَاَسْخَطَكَ وَاَسْخَطَ نَبِيَّكَ، وَاَطاعَ مِنْ عِبادِكَ اَهْلَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ وَحَمَلَةَ الاَْوْزارِ الْمُسْتَوْجِبينَ النّارَ، فَجاهَدَهُمْ فيكَ صابِراً مُحْتَسِباً حَتّى سُفِكَ فِي طاعَتِكَ دَمُهُ وَاسْتُبيحَ حَريمُهُ}.
ففيهِ تحديدٌ دقيقٌ لإِسباب التخلُّف والتقهقُر الذي يصيبُ الأُمم، وخارطةَ طريقٍ تتلمَّس أُسس وقواعد وأَدوات القضاء على هذا التخلُّف لتأخُذَ الأُمَّة طريق النُّهوض.
كما أَنَّهُ يُحدِّد صِفات القائِد النَّاجح الذي يمكنهُ أَن ينتشلَ الأُمَّة الفاشِلة لينقُلها إِلى مصاف النَّجاحات إِذا استعدَّت لذلكَ، ومن الإِستعداد قَبولها بدفعِ الثَّمن المطلُوب الذي يتناسب عادةً معَ حجمِ التخلُّف والمَسافة الفاصِلة بينَ الأُمَّة والنُّهوض الحَضاري.
فضلاً عن أَنَّهُ يُحدِّد بعض صفات القادَة الفاشلين الذين يتصوَّرون أَنَّهم ناجحِين!.
والنصُّ يدورُ مدار البصيرة التي تُنتج الرُّؤية السَّليمة، إِذ لا يمكنُ أَن نتصوَّر وجود رُؤيةٍ عند أَحدٍ، فرداً كان أَم مُجتمع، إِذا لم يمتلك البَصيرة، والتي تتجلَّى في التَّفكير بالعواقبِ فالذي لا يتوقَّع ما ستؤُولُ إِليهِ الأُمور لا يمتلك ذرةً من البَصيرة، فالتَّفكير بعاقبةِ الأَمر، أَيَّ أَمرٍ، دليلُ إِمتلاك المرء أَو المُجتمع للبصيرةِ، فبالبصيرةِ يقرأُ المرءُ المُستقبل وينظر إِلى الأَمام ويتجاوز المَخاطر ويُقلِّل من الخسائر، فلا شيءَ بِلا عاقبةٍ على حدِّ قولِ أَميرِ المُؤمنينَ (ع) {وَلِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ} والعاقل صاحبُ البصيرةِ هو الذي يتوقَّف عن الحَفر إِذا رأَى نفسهُ في حُفرةٍ مثلاً!.
وكما أَنَّ {لِكُلِّ امْرِىء عَاقِبَةٌ حُلْوَةٌ أَوْ مُرَّةٌ} على حدِّ قولِ أَميرِ المُؤمنينَ (ع) كذلك فإِنَّ لكلِّ مُجتمعٍ ولكُلِّ أُمَّةٍ عاقبةٌ حلوةٌ أَو مُرَّةٌ، فمَن الذي يُحدِّد طبيعة هذهِ العاقِبة؟! إِنَّها البَصيرة والبَصيرة فقط فكلَّما كانَ المرءُ أَو المُجتمع صاحبَ بصيرةٍ ينظر إِلى الأَمام ولا يكتفي بالنَّظرِ إِلى أَرنبةِ أَنفهِ أَو إِلى مَوطئ قدميهِ عندما يهُمَّ بفعلٍ أَو مشرُوعٍ أَو خُطوةٍ كلَّما اقتربت عاقبتهُ لأَن تكونَ حُلوةً، والعكس هوَ الصَّحيح، فالمرءُ أَو المُجتمع الذي يتمثَّل دائماً بالقَولِ التَّافهِ المَشهور [إِصرف ما في الجَيبِ يأتيكَ ما في الغَيبِ] مِن دونِ تفكُّرٍ وتدبُّرٍ والنَّظرِ في العَواقب، فإِنَّ النَّتيجة ستكونُ مُرَّةً رغماً عن أَنفهِ وأَنف المُجتمع والأُمَّة.
وهُنا مَربط الفرس فالأُمَّة التي قتلت الحُسين السِّبط (ع) لو كانت قد توقَّفت للحَظات لتُفكِّر بالعواقِب لما أَقدمت على فِعلتِها الشَّنيعة!.
كما أَنَّ مَن يرضى بعملِ تلك الأُمَّة ولا يستنكر فِعلتَها الشَّنيعة وجريمتها البشِعة التي مطرت لها السَّماءُ دماً على حدِّ قَول عقيلة الهاشميِّين (ع) في خُطبتِها بالكُوفةِ، لو أَنَّهُ يتوقَّف قليلاً ويُحاول أَن يُفكِّر بالعَواقبِ لما بدرَ منهُ مثلَ هذا المَوقفِ الجاهلي، وإِنَّما اصطفَّ معَ عاشوراء حدثاً وقِيماً وأَهدافاً وتضحيةً ومُثُلاًومنهجاً وكلَّ شيءٍ يتعلَّق بِها.

التعليقات مغلقة.