الاحباط والبكاء على السفارة وتوفيق عكاشة


محمود الهاشمي..
عندما يبقى “الاحباط “في الحدود الفردية لاي شخص كان فان تاثيره اقل خطراً وقد يتجدد في ذات الشخص واسرته واصدقائه، لكن الخطر الاكبر ان “الاحباط” عندما يتلبس شخصية ذات نفوذ ومكانة سياسية او اجتماعية فانه يتحول الى “مشكلة” قد تؤدي بالدولة الى المهلكة، لان خطأ القيادات تدفع ثمنه الشعوب.
في عام 1971 تسلم السادات السلطة في مصر ورفع شعار “مصر اولاً” مستفيداً من نكسة حزيران في خسارة العرب حربهم ضد الاحتلال الصهوني عام 1967 بعد ان كانت مصر تمثل عنواناً كبيراً للعرب في عهد عبد الناصر .
كان السادات محبطاً ويؤكد المقربون منه انه يتداول احاديث تدرك خلالها انه يعاني من انتكاسة نفسية وانه كان تحت نظر وكالة المخابرات الامريكية “سي اي ايه” لذا بعد حرب تشرين 1973 قال السادات ان 99% من اوراق اللعبة في الشرق الاوسط بيد امريكا ،تبعها في التحول الاستراتيجي بالمنطقة بزيارة القدس المحتلة عام 1977 وتوقيع اتفاقيتي “كامب ديفيد “عام 1978، ثم اتفاقية “السلام والصلح” المنفرد مع اسرائيل عام 1979، وبعد ان ادركت المخابرات الاميركية ان السادات قد انتهت مهمته نتيجة ردة الفعل الداخلية والخارجية ضد “التطبيع “لم تاسف على قتله على يد الشعب المصري بعد عام من المعاهدة وكان البديل
” المحبط “جاهزاً حيث ان اللواء الطيار محمد حسني مبارك لم يكن بعيداً عن اجهزة المخابرات الامريكية منذعام 1969 وعلاقاته بالسادات وما بينهما من تفاهمات واذا كان السادات قد سبقه بالعلاقة بـ”سي اي ايه” فانه التحق به من ايام حكم عبد الناصر لمصر وكانت ادارته اي -حسني مبارك- للسلطة في مصر هي الاسوأ حيث غابت المشاريع المهمة والتخطيط لتعيش مصر على
“المعونات “الامريكية وتخضع لمخططاتها حتى وصل عدد الذين يسكنون في المقابر خمسة ملايين مصري واضعافهم في العشوائيات وحين انتهت ورقة مبارك القي في السجن ليموت فيه ويؤتى ب(محبط) اخر، قد اتصلت به المخابرات الامريكية عام 1984 حين كان في دورة تدريبية في اوكرانيا، انه عبد الفتاح السيسي الذي عاش ودرس في امريكا، ياتي ليستلم السلطة في مصر في شبه انقلاب عسكري على “محمد مرسي” ويلقي قيادات الاخوان وانصارهم في السجون، ورغم التهويل الاعلامي لشخصيته الا ان الزائر لمصر سيتعرف تماماً ان مصر تغط بالفقر والفاقة والاهمال.
ما اوردناه عن “مصر” يتمدد على معظم القيادات العربية التي خضعت للدراسات النفسية واستقدمت لادارة السلطة في بلدانها، فمثلاً ان الملك حسين ملك الاردن سئل مرة: لماذا لانتطور مثل دول الغرب؟ فاجاب “من مثلنا لايتطور” او في هذا المعنى ..وسأروي هذه الحالة عن ايران حيث عام (2015) تعرضت الى عقوبات امريكية قاسية..بعد انسحاب الالولايات المتحدة من اتفاق (5+1) وساد في الشارع الايراني حديث عن صعوبة مواجهة الحصار، ووصل الى رجال الدين ومحاضراتهم وظهور “الاحباط” عليهم، لكن نتيجة لان البلد فيه قيادات ذات رؤية ومؤمنة بمشروعها السياسي والديني، فان السيد علي خامنئي اجتمع بقيادات مختلفة من البلد، واستمع منهم بصراحة ما يخفون وما يعلنون ثم سرد لهم بعض القصص والروايات عن صمود المسلمين في ةشعب ابي طالب” ومعركة الخندق وغيرها وأكد ان ( هذا الحصار رحمة لنا لانه سيجعلنا نثق بقدرة الشعب الايراني، فاستعدوا للمنازلة) وبعد عامين لاتدخل الى اسواق ايران الا وتقرأ على البضاعة “صنع في ايران”
ونسأل: ماذا لو تمكن احد “المحبطين” من الصعود واستلام السلطة؟ الجواب انه سيقود البلد باتجاه “الغرب” ويحطم البنى التحتية ويشيع الفقر لتبقى دولة بحجم ايران تعتاش على “المعونات”ودون سيادة.
هذا الامر حدث في الصين وماليزيا والهند وغيرها من الدول بعد ان تسلم زمام الامور قادة لهم ثقة بانفسهم وبشعبهم وقدراتهم، فيما “المحبط” غوربا تشوف كان سبباً مباشراً في ضياع الاتحاد السوفيتي وهلاك الملايين بسبب التفرد الامريكي بالعالم واشاعة الحروب الداخلية بين الدول وما حدث في اوربا الشرقية مثلاً كافياً …
لانريد ان نتحدث عن دول مثل الامارات وحتى قطر فهذه ليست دولاً ولكن لو هنالك استراتيجية وطنية وقومية ودينية واحدة، في المنطقة لما تفردت بها امريكيا والغرب عموماً، لكن تحييد الدول ذات القوة البشرية والثقافية والحضارية عنها ساعدها على ذلك فجعلتهم طينة بين يديها، بالمقابل فان دولاً مثل البحرين او الكويت يصعب لي ذراعها باتجاه التطبيع مثلاً لان لشعبها عمقاً خارج ارضهم.
في العراق “الان” يجري المخطط لافراغ البلد من اي عمق استراتيجي والتفرد به فحين تبعده عن ايران وروسيا والصين وسوريا ولبنان فانما تجعله امام خيار واحد “الاردن السعودية” كدول حدودية وهذان البلدان اطبق عليهما الفك الامريكي وطريقهما للتطبيع سالك.
لاشك ان الولايات المتحدة بحكم خبرتها الكبيرة تستخدم ادوات فاعلة ومؤثرة في ادارة ملف “الاحباط” حيث الاعلام الذي يكدح ليل نهار من اجل صناعة انسان عراقي فاشل بعد افراغه من تأريخه و عقائده وقيمه ومحاصرته وكأنه يمشي وسط الخراب والضياع وليس له سوى طريقين الاول ان يفر خارج البلد ، ولو بزورق مطاط والثاني ان يبقى محطماً لايبصر النور ولا يجدالحلول .
امريكا تختار في هذا الملف “الحرب الناعمة” شخصيات مأزومة ملأى بالعقد النفسية والاجتماعية فليس غريباً ان يزور مثال الالوسي “اسرائيل”..وليس غريباً ان يصرح محمد الحلبوسي بان البزاز قال له” جئنا لنخرب البلد لا لنبنيه”، فالبزاز يتماهى مع الخراب الذي في ذهنه وليس ثاراً لاحد لانه ايضاً كان على خلاف مع النظام البائد اخر اعوامه!!.
ان الخطر الاكبر ايضا عندما يقع المثقف في حوض الاحباط لانه يستخدم ادواته جميعها لصناعة واقع يشبه ما في رأسه ويكون مؤثراً في الاخرين وهذا ما نتابعه في لقاءات وتصريحات وكتابات عند البعض وهم ينظّرون الى “الهزيمة” وتقراً مقالاً لاحدهم وهو يصف الواقع بالمرير وان مجرد الدعوة “لخروج القوات الاجنبية”، يعني الحصار والموت والجوع..الخ.
وهذا ما كان وراء مجيء حكومة تشبه جداً هذه “المقالات” وسرعان ما تحولت هذه الشخصيات الى اداة للهتاف لاخطاء الحكومة وتطلعاتها المريبة، وتبرير كل ما يصدر عنها على ان يكون عنواناً للنجاح فعندما يقول المتحدث باسم رئيس الوزراء ان انسحاب او غلق اي بعثة دبلوماسية لاي دولة سيكون له تداعيات “كارثية” على المنطقة برمتها فهذا يعني الوقوف مع جبهة امريكا لانه استخدم “كارثية” ولا نعرف منها سوى التهديد.
نختم ما ختم به النائب المصري والاعلامي ورئيس مجلس ادارة قناة “فراعين” توفيق عكاشة مشروعه السياسي والاعلامي بعد ان استضاف السفير الاسرائيلي بالقاهرة في منزله حيث مع دخوله الى صالة البرلمان تعرض الى الضرب بالاحذية وطرد من بعد ذلك وحين تقرأ شخصية ” توفيق عكاشة” تراها تشبه كثيراً الذين يدعون الى تخريب بلدنا العراق اليوم!

التعليقات مغلقة.