الثاني والعشرون من ايلول

  د. حسين القاصد||

 أهملت المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية هذا التاريخ الذي حول المنطقة إلى تنور حروب يوزع ارغفة الموت على الجميع ولم تنطفئ ناره حتى الآن. في الثاني والعشرين من أيلول من العام ١٩٨٠ وباندفاع أهوج وخطوة رعناء قرر النظام الساقط اجتياح الحدود الإيرانية لاغيا اتفاقية الجزائر التي وقعها الطاغية المقبور نفسه. وظف النظام الساقط ماكنة إعلامه وماكنة الإعلام العربي ولا سيما الخليجي لدعم رعونته هذه؛ ليتم اعتماد كذبة أن إيران بدأت الحرب في الرابع من أيلول جاعلا هذا اليوم هو تاريخ بدء الحرب المدمرة للبلدين متناسيا أنه هو من الغى اتفاقية الجزائر. استمرت الحرب ثمانية أعوام، وبدأت باجتياح العراق للمناطق الإيرانية الحدودية؛ ثم سرعان ماانقلبت الأمور وتحول العراق من مهاجم إلى مدافع وسقطت الفاو بيد الجيش الإيراني. كانت قيمة الدينار العراقي تعادل أكثر من ثلاثة دولارات؛ إلى أن انهارت العملة العراقية وانهار الاقتصاد العراقي ووافق النظام الساقط على إنهاء الحرب بالعودة لاتفاقية الجزائر. ثم وجد العراق أن كل مساعدات الخليج كانت ديونا وعليها تسديدها، وها نحن نسدد الديون لأكثر من دولة ونبذر بحدودنا؛ بل وضع النظام الساقط نفسه في وضع جعله الحكومة الوحيدة التي ترسم الحدود مع الكويت وتمنحها أجزاء من الأراضي العراقية فوق حدودها فضلا عن اختناق العراق وبقائه من دون منفذ على البحر بسبب ترسيم الحدود الجديد. كل هذا ولا أحد يخبر الجيل الجديد بأن الحرب العراقية الإيرانية بدأها المقبور صدام ليجعل العراق حاميا للبوابة الشرقية للأمة العربية التي يدعي زعامتها؛ فلقد استمر النظام الساقط لثمانية أعوام مستنفرا الإعلام والثقافة والتربية والتعليم لترسيخ فكرة العدوان الإيراني ويوم النصر العظيم الذي افقدنا نصف شط العرب وفتح علينا جهنم الكويت والحصار ثم الاحتلال الأميركي. بعد سقوط النظام الساقط لم تضع الحكومات المتعاقبة برامج توعوية لتشطب الأكاذيب والأوهام التي رسختها اناشيد الحروب والقصائد العمودية وابواق الشعر الشعبي. بل على العكس من ذلك، ظلت بعض الوزارات تؤسس من جديد لترسيخ البطولات الوهمية للنظام الساقط وصار المواطن العراقي يصفق لقاتليه وهو ما حدث في تشييع المجرم سلطان هاشم؛ بلغ الدعم لفكرة العداء الإيراني للعراق إلى جعله رأيا عاما لدى شباب كل أرشيف ذاكرتهم لا يتجاوز حادثة جسر الأئمة، لكنهم صاروا يتحدثون عن الزمن الجميل وعن عنتريات النظام الساقط؛ وما كان ذلك ليحدث لولا أخطاء وتقصير الحكومات المتعاقبة، سواء كان التقصير الخدمي والفساد المالي والإداري أو التقصير التوعوي في تأسيس ثقافة المواطنة. هكذا صار المقاتل في ال ح ش د الشعبي بطلا مؤقتا شرط أن يموت ثم ينسى وتمزق صوره بينما يتم تقديس أعدائه لأنهم ضد إيران وكأننا بصدد إيران لا بصدد بلدنا؛ فأغلب النشطاء لا يطالبون بإنهاء الاحتلال الأمريكي ولا يستنكرونه؛ لكنهم لا يترددون في جعل أي خلاف شخصي أو أي إخفاق في عمل ما، تدخلا إيرانيا، ولا نستغرب إذا سمعنا في المستقبل القريب إعتراضا على رسوب احد الطلبة أو خسارة احد فرق كرة القدم أو خلاف عائلي بأن يكون أسبابه هو التدخل الإيراني. إذن لماذا تشكر الحكومة العراقية  قوات الاحتلال على دعمها للعراق في النصر على دا١١عش..؟ ألم يكن الإنتصار على دا١١عش تدخلا إيرانيا مثمرا؟ ثم لماذا يكون أحد الداعمين متدخلا في شؤون البلاد بينما نشكر المحتل على فضله! ولماذا يكون الخبير العسكري الأمريكي ناصرا مشكورا بينما يتم استهداف الخبير الإيراني بنيران الخبير الأميركي، وجموع جماهير جيل ما بعد حادثة جسر الأئمة يصفقون ويهتفون للزمن الجميل؟ أين وزارة الثقافة من كل هذا وما مشاريعها لتنقية وعي الشباب من رواسب البعث المنحل أخلاقيا وسياسيا؟.

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: