ما مربوط بمضيف

واثق الجابري||

أرخوا أحزمتهم وأنزلوا فوهات البنادق، في مدينة الكاظمية عندما وصلوا بالقرب  من  ضريح الإمام الكاظم عليه السلام.

هكذا يفعل الجنود أو يؤمرون وهم يمرون من أمام مرقد مقدس، وقائد سواء كان حياً أو ضريحاً، وجرت  العادة عند كل الشعوب، إبداء الإحترام لما يقدسه ويحترمه المجتمع، وحين تطورت الدبلوماسية، صار لها ملحقات ثقافية وإقتصادية وعسكرية، ليعمل كل ضمن اختصاصه، بل تعدى ذلك إلى اختيار  شخصيات درست قيم هذا المجتمع وعاداته وتقاليده ولغته، وما فعله السفير الياباني بارتداء الزي العربي والعقال وتكلم بمفردات عراقية، إلاّ  جزءاً من كسر الحواجز مع المجتمع العراقي والتقرب منه أكثر.

سعى كثير من الدبلوماسيين إلى زيارة المرجعية الدينية وحضور الدواوين العشائرية ومشاركة الطقوس الدينية ،ومنها شعائر محرم، كفعل ناجم من فهم واقعي إلا أن هذه المرتكزات الثلاثة من أهم مقومات الدولة العراقية وهويتها الرئيسة، رغم تنوع الطوائف والقوميات والأديان، ومنذ ثورة العشرين ما تزال راسخة إلى اليوم، وخير مصداق هوالحرب على داعش؛ وقد أطلقت المرجعية فتواها ولبت العشائر، ومن وحي الشعائر الحسينية؛ هَبَّ ملايين المتطوعين، في أروع صور  العمل الطوعي  والتضحية والكرم.

لو قارنا الفعل الحكومي الأخير تجاه عشائر الناصرية، لتعرضنا للإنتقاد الشديد، فلو كان الفاعل دبلوماسياً من بلاد بعيدة، لقلنا يجهل تقاليد وقيم المجتمع العراقي، ولكن ذلك لا يمنع الإعتراض والتصادم معه،  حين تجاوز ثوابت المجتمع التي لا يتخلى عنها مهما تقادم الزمن، أو بلغ الشخص من درجة علمية وإجتماعية وموقع في السلطة، فأنه يعود لتلك المرتكزات الثلاثة ذات يوم.

لا يمكن مقارنة الدول في تقدمها وتخلفها، أو احترامها للقانون والتمرد عليه، بالتخلي عن قيمها الثابتة التي ملأت فراغات غياب الدولة. وللعشيرة العراقية دور مهم بحل النزاعات المجتمعية وصولاً إلى أدق تفاصيل العائلة، وبناء التكافل الإجتماع وتوزيع العمل ومصادر العيش كالمياه والأراضي، وترتبط تلك بجذور الشعائر الحسينية، ومنها قدمت دروساً لا مثيل لها في أرض المعمورة، وعلى الأقل بالأمس القريب في حرب العراق على داعش؛ آلاف الصور التي تتجلى فيها أسمى القيم الإنسانية، التي تصلح  كثوابت مقدسة بفعلها وشخوصها، وتتفاخر الأجيال بأبطالها.

إن مخاضات التجارب العراقية تستند إلى هذه المرتكزات، التي تتكامل ببعضها، ومنها يمكن الإنطلاق لبناء دولة وإعادة هيبتها، وهذا يفرض على العاملين في سلك السياسة أن يتوقفوا عند حدودها باحترام، فهي تؤطر المشهد العراقي وتضع أسس الدولة، والإحتكاك بها سيؤدي إلى تفكك المجتمع، وإدخاله في فوضى لا تتوقف إذا فقدت الدولة ثوابها، لذا  كان وما يزال للمضيف والديوان احترامه وقوانينه، فلا يدخله شخص وبيده مسبحة أو غيرها، ولا بملابس غير محترمة، ولا يسمح بالعلك أو الكرزات فيه، ويترتب الأشخاص حسب الأعمار والمنزلة الإجتماعية، ولا يدخله شخص بحذاء، ولا يُعطى المُستجير به، لذا يُقال  لشخص سيئ الأدب: “ما مربوط بمضيف”.

التعليقات مغلقة.