القطيع نحو التطبيع

الشيخ خيرالدين الهادي الشبكي||

 يوماً بعد آخر نكتشف أن التحليل الخاطئ والفهم البعيد للثوابت الاسلامية سيما تحليل الخطاب القرآني في غير مقاصدها الالهية, لا تزيد المسلمين إلا بُعداً عن الاسلام ومبادئه, وكلما أوغل المسلمون بالتأويلات الجانبية واعتمدوها دون الرجوع إلى المصادر الموثوقة التي نُقلت عن المعصوم عليه السلام, لا يزيدهم إلا مزيداً من التيه والضلال, فلا نستغرب من أن البعض اليوم ينسب الكذب إلى الانبياء كما في قصة ابراهيم عليه السلام حيث ذهب جمهور من المفسرين إلى إن ابراهيم عليه السلام صدر عنه الخلاف, ثم يحاول أن يبرر ذلك, وكأنه لا يستوعب مسألة العصمة بالنسبة للأنبياء صلوات الله عليهم؛ بل إن البعض نسب الخطأ إلى خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله أيضاً.

إن هذه الرؤية الدخيلة على المنهج الاسلامي وإن لم يكن طارئاً إلا إنه زاد الطين بلةً, فقد ساهم بشكل او بآخر في تأويل الآيات القرآنية بعيداً عن مقاصدها, فمثلاً حينما انزلقت الامارات إلى التطبيع المخزي مع الكيان الصهيوني حاولوا على مستوى رجال الدين أن يبرروا هذا الفعل الشنيع بالإشارة إلى تلك المواقف القرآنية مع اليهود, أو ببيان بعض المسائل المتعلقة بعلاقات النبي صلى الله عليه وآله التي كانت مع اليهود والتعامل معهم؛ ليعطوا بذلك تبريراً لمهزلة التطبيع, متناسين أن اليهود كانوا حينها في موقف الضعف وقد استحقوا الحماية والعناية من الجانب الانساني, أما اليوم فإن الوضع مختلف حيث إن العرب والمسلمين بعد تمزقهم وابتعادهم عن القرآن والسنة النبوية الشريفة والامام المعصوم أصبحوا من الامم المغلوبة على أمرها, فتولى عليهم غلمانهم من بني سعود وبني نهيان وبني خليفة وغيرهم فساقوهم إلى التطبيع مع العدو التاريخي الذي لم يرحم العرب ولا المسلمين على مرِّ العصور والايام.

 ولا يخفى أن العقل والشرع يتفقان على أن الوقوف إلى جانب الشيطان الأكبر محكوم بالباطل والخسران؛ فكيف إذا كان الشيطان الأكبر يسير وأنت تسير خلفه طائعا ذليلاً مستسلماً, بل البعض يهرول خلفه حتى من دون دعوة كالتي حصل مؤخرا من قِبل بني خليفة في البحرين, فقد عقدوا بينهم وبين إسرائيل على أن تكون القوامة لإسرائيل ليمثل دور الرجل الذي يحق له الزواج المتعدد, فبالأمس عقدة على الامارات واليوم على البحرين والمسيرة مستمرة لتحويل العقود من السرِّ إلى العلن, ومن المؤقت إلى الدائم, فالديك الاسرائيلي قد استفحلت شهوته على الدجاجات العربية وبأشراف الشيطان الأكبر أمريكا التي لم تتأخر عن تقديم التسهيلات انتصاراً لإسرائيل المدللة.

 إن ما أقدمت عليها الدول العربية من عقدِ المصالحة والتطبيع مع اسرائيل يمثل انذار شؤم قد لا يتوقف عند هذا الحدِّ؛ لذلك فإن من واجبات المؤمنين العمل على تعرية هؤلاء وفضحهم, بالاعتماد على تحليل الخطاب القرآني بما ينسجم مع المقاصد الاسلامية وبالشكل الذي لا يتعارض مع الثوابت الاسلامية؛ وعلى الدول العربية الحرة والاسلامية عموما أن تتخذ خطوات ناضجة وقوية لمقاطعة الدول التي انزلقت نحو التطبيع أو التي ستنزلق, وهذا لعله من أبسط حقوق المسلمين والشهداء الذين ارتقواْ من أجل القضية الفلسطينية على مرِّ تلك السنوات الطويلة.  

التعليقات مغلقة.