عاشوراء في مواجهة الارجاف الثقافي

بقلم/الشيخ عدنان الحساني…
ماتعيشه الامة في هذه الايام من احباط وتراجع هو في حقيقته صورة احباط عكسته الالة الاعلامية والثقافية للاعداء وليس هو حالة متأصلة ولايمكن تخطيها بل يمكننا بالعودة الى اصولنا الاعتقادية والثقافية ان نحد من تداعياتها..ولكن ماهي اسباب انعكاس هذه الصورة القاتمة ولماذا استطاع العدو ان يضع لقدمه موطئا بين ظهرانينا وتتغلغل ثقافته الهدامة بين شريحة الشباب بالخصوص..
لاشك ان العدو يمتلك تقنيات وامكانات اعلامية جبارة كذلك يمتلك قدرة على التخطيط السياسي والاجتماعي او مايسمى بسوسيولوجيا السياسة حيث وضع الغرب قيما جديدة للعيش المجتمعي يترتب على متطلبات معقدة تختلف جذريا عما هو معتاد من البساطة الشرقية وربط هذه المتطلبات بالضرورة السياسية للمجتمعات من خلال تسويقها كتقنيات حياتية متطورة يجب على الطبقة السياسية ان تكون بقدر توفيرها..
اضف الى ذلك فان سيطرة الغرب عموما وامريكا بشكل خاص على معظم مصادر القرار الدولي والمؤسسات الدولية ذات الشأن الاجتماعي والاقتصادي وشركات الاتصالات والتواصل الاجتماعي رفع من قدرتها في السيطرة والتحكم فراحت امريكا تؤسس لمنظمات المجتمع المدني وتربطها بسفاراتها في العالم تحت عناوين الحرية والابداع الثقافي ونشر العولمة المادية والغاية من كل ذلك افشال المشاريع الثقافية لدول الممانعة والمقاومة بذريعة ان هذه المشاريع لاتلبي الحاجات الاقتصادية والثقافية والتقنية المتطورة للشباب وهذا يعني ان الاصول الفكرية والعقائدية لهذه الدول غير مؤهلة لمواكبة احتياجات العصر وبالتالي فان اي نظام حكم او نظام اجتماعي ينهل من هذه الاصول هو نظام فاشل اقتصاديا وثقافيا وهذا ماشهدناه في احداث التظاهرات الاحتجاجية في لبنان والعراق.
وعليه فان منطق المفاهيم المعنوية التي تربى عليها المسلمون في هذه المناطق من قبيل مفهوم الصبر والزهد والممانعة والمدافعة والتسليم والتوكل والكفاف والعفاف اضحى هذا المنطق صوريا عند شرائح عريضة من الشباب وطرح منطقا بديلا عنه هو المنطق المادي الذي يعبر عن مفاهيم غريبة من قبيل التشاؤم من الدين وتسطيح المعاني الدينية وضرب الكمالات المعنوية بالكماليات الدنيوية وصولا الى تقديس المدنس وتدنيس المقدس فاصبح عندهم المتدين المجاهد المؤمن عميلا والعميل الامعة الدنيء وطنيا رفيع الدرجات..
الجدير بالذكر ان المقال هنا لايتحدث عن المطالب المجتمعية وحقانيتها انما يشير بشكل اساس الى المشاكل المعنوية والثقافية للمجتمع في ضوء الحراك المجتمعي المسيس والذي تقف خلفه اجندات ثقافة الغرب الهدامة فنحن امام مخاطر حقيقية لم نشهد لها سابقة خصوصا في مجتمعاتنا الشيعية باعتبارها مجتمعات ذات جذور ترتبط بالجوانب المعنوية العميقة التي شكلت سيرة اهل البيت عليهم السلام وجهادهم وزهدهم وصبرهم وشظفهم بيئتها البنيوية واستلهم الشيعة من هذه البيئة كل معاني الثورة ضد الباطل والكفر والنفاق مهما كانت الظروف والتضحيات ومهما اشتد وطيس المواجهة والحصار الاقتصادي فان منطق المفاهيم المعنوية والاخلاقية هو الاولوية والضرورة القصوى ولايمكن للماديات مهما بلغ الاضطرار اليها على الرغم من ضرورتها لايمكنها ان تكون بديلا عن هذه المنطق او تزاحم ضروراته المعنوية لانه الغاية القصوى التي نزلت بها الديانات والكتب وهي غاية الخلق والايجاد في ثقافة القران والعترة..
من هنا وبناء على مقتضيات الضرورة التاريخية فان المشروع الالهي اوجد نقطة ارتكاز معنوية قادرة على اعادة تأهيل النظام المجتمعي فهي وحدها التي اجتمعت فيها كل ابعاد الحاجة المعنوية للإنسان ويمكن من خلالها ان نعيد تأهيل مقدرات المجتمع السلوكية والاخلاقية ونقوي ثقته بأصوله الفكرية والاعتقادية.
ان نهضة الامام الحسين عليه السلام وتضحياته الجسيمة لاتقتصر اهدافها على الاصلاح بمعناه الشائع (الاقتصاد والسياسة) بل هو اصلاح كوني شمولي اي ان نهضته عليه السلام لم تكن اقتضاء مترتبا على رفع الموانع امام اصلاحات ضرورية بل كانت نهضته عليه السلام علة تامة لحركة المجتمع والتاريخ نحو حتمياته وسننه التكوينية لذلك فان اي مشكلة مجتمعية او تاريخية تعيق هذه الحركة في مسيرتها التكوينية ستذلل ببركة ادبيات هذه النهضة وقوانينها المعنوية والسلوكية التي ارساها الامام الحسين عليه السلام ووضع لها منطقها الخاص..
ولكن ماالذي نتعلمه من منطق فهم عاشوراء وكيف نحيي ادبيات كربلاء وقواعدها؟
1- تعلمنا من الحسين عليه السلام قاعدة السبيل الحق وان لانجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا والمؤمن هو من تبع خط الحسين عليه السلام وخط اباءه وجده وابناءه المعصومين عليهم السلام.
2- تعلمنا من الحسين عليه السلام قاعدة الرشد وان نميز بين الغي والرشد وبين العدو والصديق.
3- تعلمنا من الحسين عليه السلام قاعدة العزة (ولله العزة ولرسوله والمؤمنين) (لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل وهيهات منا الذلة) .

4- تعلمنا من الحسين قاعدة الحرية وعدم الانقياد الا للحق (كونوا احرارا في دنياكم).
5- تعلمنا من الحسين عليه السلام اصول الاختيار بين الموت والحياة وكما يقول امير المؤمنين عليه السلام (الموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين) يقول عليه السلام (الموت اولى من ركوب العار والعار اولى من دخول النار)ونتيجة قياس الاولوية ان الموت على الحق اولى من دخول النار بسبب السكوت على الباطل والركون الى الظالمين.
نتيجة لما تقدم فان المحصلة التي يمكن ان نستخلصها من النزر اليسير من هذه الادبيات هو ان متطلبات الدنيا المادية مهما بلغت ومهما حقت فهي لاتستحق ان نصطف لأجلها مع الكافرين والظالمين لتحصيل فتات يسير منها وكما يقول المثل الدارج(من لحم ثوره واطعمه) لان الذي نصطف معه هو نفسه الذي يسلب مقدراتنا ويحاربنا بها وهو سبب كل البلاءات والضنك الاقتصادي الذي تعيشه امتنا وشعوبنا فهل من الحكمة ان نقف مع الشيطان لنصد عن سبيل الحسين عليه السلام الذي تعلمنا منه معنى التضحية بكل شيء في سبيل معاني الحق والاخلاق والقيم المعنوية السامية.

التعليقات مغلقة.