سيد الشهداء

رباح ال جعفر

لا بقاء للإنسانية من دون الشهداء. ومن أجل هذا كانت القرابين على مذبح الحرية. كلما تناسل في الأرض الطغاة، والمتجبّرون.
وعندما تستعير الشياطين لغة الأنبياء، ويلبس الدجالون جلباب القديسين. لا بدّ من منقذ يؤذن بالدعوة إلى مولد عصر جديد. في ثورة باقية ضدّ الجاهلية، والصنمية، والجور، والفجور.
وفي الأرض ميزانان. وعندما يقوم الميزانان، فإن العدل أبقى من الظلم، وتجارة الآخرة أربح من الدنيا.
البنود التي خفقت في ثورة الإمام الحسين كانت أعلى البنود. والدموع التي هميت على الخدود الحزينة كانت أنقى الدموع. والدماء التي تدفقت كانت أطهر الدماء. فما سرّ هذه القداسة في دماء تحيي الأرض الموات بالأزاهير، وتبحث عن أتباع يتّخذون منها سيفاً يحميهم من جلاّديهم، ويرفع القيد عن رقابهم؟!
أكتب اليوم عن الشهيد ابن الشهيد أبي الشهداء، وأقتبس وهجاً من نوره، وأنهل من مورده، وقد توضّأت الأرض بدمائه، وسجّل في التاريخ موقفاً لا سبيل إلى تكراره. سوى أن يستعذب الموت فيستشهد في معركة ما تزال تسترجع صداها من الألف الغابرة، ويتردّد إيقاعها في الألف الآتية، وهي أكبر من أن يستوعبها قلم أيّ كاتب مهما كابر!
نسترجع هذه الأيام ذكرى الإمام الحسين عليه السلام، ونتحلّق حول اسمه، ونسير في ركبه، ونتشبّث بتلابيب ذكراه، ونقف عند مآثره. كلما غاب في الدياجي هلال، أو طلع في الليل قمر. ونتعلم أن الشهادة مثل الحياة، كلتاهما وطن.
نتعلم أن الخلود صفقة بغير ثمن، أما الذين يبحثون عن الجاه، ويرتشون السلطة، ويسرقون المال، ويتنازعون على تاج صدئ، وقطعة باقية من العرش. فإنهم يقبضون أجورهم ولا يخلدون.
لذلك ترانا مع كلّ ترتيل قرآن، وصيحة آذان في بيوت الله، وفرض طاعة، وإقامة صلاة، وعقب كلّ تكبيرة. نستذكر من خلال الإمام الحسين الأبطال الثائرين، وأصحاب الجراح الباسلة، والضحايا المغدورين، وجميع الشهداء الذين رحلوا، والشهداء الذين سيرحلون.
نعتذر إلى سيد الشهداء في ذكراه، ونحزن من أعماق قلوبنا، ونحن نشكو ظلم أقوام جاءوا من بعده. ينتحلون قضيته، ويدّعون جراحه النبيلة. فلا أطعموا جائعاً، ولا آمنوا خائفاً، ولا أنصفوا مظلوماً، ولا صانوا الذمّة، ولا عدلوا بين الناس. لأنهم انشغلوا بمنافعهم عن مطالب الناس.
سيبقى اسم الإمام الحسين استغاثة لكل ملهوف، وصرخة ينادي بها كلّ مظلوم في زوايا الأرض وأرجائها، وكل طالب إنصاف يريد الخلاص من القساة الجائرين إلى يوم الدين.
والأمم العظيمة قد تصاب بالجراح، لكنها لن تموت. منذ نزعت رسالة التوحيد إلوهية الصنم!.

التعليقات مغلقة.