لتجنب الوقوع في المحذور؛ تلقفوا القوارير قبل السقوط *

عدد القراءات : 3027
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
لتجنب الوقوع في المحذور؛ تلقفوا القوارير قبل السقوط *

 

   سكون وصمت مطبق, فلا حياة وانفاس اختنقت, فتنحنحت بأصوات, حروف مبهمة, شكلت كلمات, ورتبت مواقعها فكانت عبارات, وجمعت فصارت افكارا ومعتقدات. وحيدة فريدة يتيمة. سعيدة حزينة عنيدة. مليحة باهتة قبيحة. شاردة تجوب الارض والسماء تيها, وضالة لم يحوها وعاء. تبحث عمن يحملها. إغراء بخيلاء وكبرياء. هربت منها كل الاشياء. فاستقبلها مبشرا باحتواء. جماد نبات ام حيوان بل كان ذلك انسان.

    جاسم جمعة الكعبي

قال تعالى: "يا ايها الناس ان بغيكم على أنفسكم". وقال أيضا: "ماضركم اذ ظلوا ان اهتديتم"

  تلك قصة الخليقة التي دارت احداثها ومازالت تدور. ومن تلك الاحداث قصة، أود ان اعرضها عليكم، وهي لأحد افراد مجتمعنا من الطبقة المتوسطة، حيث اهتم كثيرا بالأركيلة والتواصل الاجتماعي بشكل سلبي. كانت زوجته تهيئ (تعمر) له الجلسة مع اصدقائه، ولتنال رضاه اخذت تعد كل شيء بنفسها حتى الأركيلة، فتعلمت عليها دون ان يعلم، ونشرت ذلك الى اخواتها عندما كن يتزاورن ويتبادلن المعلومات حول التواصل الاجتماعي والمجموعات (الكروبات) وما ان علم بذلك لم يستطع قول شيء، فقد اصبحت ساعده الايمن في تحضير الجلسة حينما يحل دوره بين اصدقائه. وعن طريق الفضول، اختلست صفحة الفيس لإحدى النساء اللاتي يفتح معهن بثا مباشرا، ودخلت بصفته وحدثتها، وهنا تمايزت غضبا وارتبكت افكارها، ولم تصمد امام غيرتها فعرفتها بنفسها، لينتهي الامر بطرد الزوجة الى بيت اهلها، وينشأ خلاف غير متوقع. وبعد فتره ليست بالطويلة، انتشرت العدوى بين الاخوات، وهن يجلسن مع الاركيله ويتحدثن مع الاشخاص عن طريق سبل التواصل الممكنة، وبنشوء واقع افتراضي جديد يثير الرغبة، وهو محجوب خلف الشاشات وينتهي بضغطة زر صغير يطاله الجميع.

  ومن خلال كامرات الويب ازدادت الاواصر مع الغرباء وضعفت مع الاقرباء، وتطور الامر الى سفرة الى احد المنتجعات بحجة العلاج، واخترن ان لا يجتمعن في مكان واحد، لتلتقي كل واحدة بصديقها على حدة. حفاظا على اسرارهن، ولأنهن لم يحطن بكل شيء، وبألاعيب الشباب المتمرسين الذين اعتادوا على ارتياد هذه الاماكن، فقد اعدوا كل شيء. وانتهت السفرة على خير، ولم يصب اي فرد بسوء، وبعد ستة اشهر، عادت الزوجة الى بيت زوجها، وقررت ان تنهي هذا الفصل. وبمرور ايام قليلة، اتصل صديقها على هاتفها الذي غيرت رقمه، وحاولت ان تنهي المكالمة مرارا دون جدوى، حتى زارتها احدى اخواتها وهي مرعوبة ومنهارة، لتريها فلما مسجلا لها اثناء السفرة يفضح كل شيء، وأن كل واحدة منهن قد فعلت نفس الشيء. وباجتماع طارئ للأخوات قررن ان يعرفن طلباتهم .وحدث لقاء ليس وديا في احد المواقع السياحية مع الفرد الذي كان يمثل المجموعة.

   وهنا كانت المفاجأة، حيث ابلغهن انهم حريصون على حالتهن الاجتماعية، ولا يودون أية اساءة، وانهم قد استمتعوا كثيرا بتلك الرفقة، وانهم سيبعثون لهن اموالا وهدايا لقاء العمل معهم، وأنهم سيدعمون ازواجهن دون ان يشعروا بذلك، مقابل العمل على استدراج أي امرأة هم سيختارونها، وستبقى الاسرار محفوظه حتى لمن جلبن. ومرت ايام على هذه الحال، وقد نجحن باستدراج بعض النساء من اللاتي كن يعملن في اماكن مهمة وخاصة، وبذلك عرفن صيغة عملهن، وعلمن انها لم تكن صفحات فيس بريئة، او مجموعة شباب منحرف، بل صرن ضمن مؤسسة خطرة، فبات لهن نفوذ واموال اسكتت حتى ازواجهن والاقارب، وأوشك الناس ان يحنوا ابوابهن بالحناء لما يقمن به من اعمال خير، ولولا رحمة ربي لكدنا نركن اليهن، فقد طالت ايديهن، حتى رجال القضاء والقانون ممن عتم عليهن وحجب صفتهن عن المخلصين. وبمحاولة اغتيال لاحد سواق سيارات التكسي الحديثة .والذي لم يعرف سبب المحاولة حيث تعرض مرة اخرى لخطف وتنكيل، وهم يسألونه عن اشياء لم يعرفها او يرها، فأبلغ احد اقاربه من منتسبي القانون، ليعلم بعد حوار طويل انه قد احتفظ بحقيبة نسائية نسيتها امرأة في سيارته، وكانت تحوي اموالا بقيمة الف دولار، وربع مليون، ومسوغات ذهبيه بقيمة عشرة ملايين دينار عراقي، ومحتويات اخرى، وبعد الحاح جلب الحقيبة ومحتوياتها، وفتشها فلم يجد شيئا غير ما قال له، ثم انتبه انه وجد مجموعة رامات ذات سعه عاليه، قد حاول بيعها الى احد اصدقائه، وبعد جلبها منه حيث اهملهن الاخير، لان سعرهن عال، وبمعرفة محتوى اول رام، كانت الطامة الكبرى، لينكشف ذلك الملف وتبدأ سلسلة انهيارات وانتحار وهروب، والى اخره مما لا يتسع له المقام.

  المجتمع مسؤولية الجميع، واي نسيج اجتماعي يقع ضمن نظام معين إيجابي او سلبي، حسب نوع الغائية المعتمدة من قبل كبار ووجهاء المجتمع، والحالة التي يكون عليها واقع المجتمع. علما ان اي نوع من الأنظمة بحالتيه المذكورة انفا، تكون على شكل انظمه حلقيه مغلقة (Closed loop systems) كما وأن اي عمليه فيزيائية كانت او كيمائية، تحتوي على نتائج عرضيه (Random results) .كذلك الأنظمة الاجتماعية .ويجب الاهتمام في مسألة السعه او القدرة في حالة التكليف او الإدارة داخل الأنظمة.

  من المعلوم لدى الجميع ان الاسرة نواة المجتمع، والفرد مادة الأسرة، ومصالح الافراد تشكل عناصر ضغط، مما يجعل الاسرة تبحث عن مجال يتسع لتحقيق تلك المصالح، ولا يكون هذا متاحا دوما وعليه تلجأ الأسرة الى تصنيف المصالح حسب الاولويات، فيقدم الاهم على المهم وفقا لمعتقداتها وغاياتها، ولا يمكن بحال من الاحوال ان تتشابه غايات الاسر والجماعات، فضلا عن المجتمع، وبتالي فأن ما تراه مناسبا هنا قد لا يكون مناسبا هناك. ومن الأمثلة على ذلك قصة النبي شعيب (ع) مع قومه، عندما حذر تجارهم من ان لا يحتوا العملة الذهبية المتداولة آنذاك، فاستغرب اصحاب النفوذ والتجار الذين اشار اليهم القران بكلمة قومه، لكونهم هم القائمين على مصالح الناس. ولم يعبأوا لكلامه، بل قالوا أتمنعنا ان نفعل بأموالنا ما نشاء، اي انها مصلحة خاصه فما دخلك ايها النبي؟ وكنت تقول اني معني بالمصالح العامة، ام انت تطمع فيما عندنا حسدا، فأجابهم عليه السلام ان حتكم لتلك العملة يقلل من قيمتها الاقتصادية، وبتالي فأن قيمة التبادل التجاري سوف تنقص لقلة كمية الذهب، وقد شخص شعيب عليه السلام الخطأ لانتشار ذلك الاسلوب، وزيادة عدد الفقراء وضيق العيش على الطبقة العاملة، وما لبثوا فترة من الزمن حتى انهار كل شيء.

  ان الأنظمة الحلقية الصغيرة التي تشكلها الاسر، يجب ان لا تتقاطع مع بعضها كثيرا، ويمكن ان نستشعر حاله التقاطع والاضطراب من الملفات المطروحة في دور القضاء للأحوال الشخصية، ومن اسباب التقاطع، هو حجم المدخلات على نظام الأسرة التي غالبا ما تكون مبهمة او غير معرفه من قبل المصدر، مع الادارة الغير جيده للقائمين على الأسرة بسبب التقصير او القصور. ولتوضيح اكثر، فأن دخول طرق التواصل الاجتماعي وما تعرف (Social Media) احدث تغييرا كبيرا في حجم المعلومات وتدفقها، وانفلات زمام الامور في طرق التبادل، والتواصل الغير مهذب مزق نسيج المجتمع، بسبب سوء الاستخدام وفوضى الانتشار غير الممنهج، وشجع المكسب القائم على اساس غريزة اللهو والفساد، بالرغم من ان طرق التواصل خدمت الكثير من المجتمعات، وهي حالة حضارية ولكن، المشكلة في تعريف الاشياء وتحديد المفردات، كون هذا التطور جاء بطريقة معكوسة ومفاجئة، حيث نشأ في بلاد مهده بالتدريج، فبدأ بربط مجموعة حاسبات العمل ثم حاسبات المواقع المهمة في حركة المجتمع، مع توفر صالات الالعاب واللهو منفصلة عن تلك المجموعات، وتحتوي كل مجموعه على وحدة استقبال وتخزين المعلومات، مع رفض الغير سليم منها، لتكون بعد ذلك شبكات الاتصال (network) ثم توجت بعد ذاك بخدمة الانترنت، مع حفظ حقوق جميع الخدمات والمؤسسات الاخرى، مثل الصحف الورقية والسينمات وخطوط الهاتف الارضي والصور الفتوغرافية، والرسم اليدوي وحقوق الكتاب والتأليف والمكاتب والمهرجانات وصالات الالعاب، ما زالت قائمه في مجتمعاتهم.

   ومما يجدر الإشارة له ان تركيبة المجتمع التي نشأ فيها تختلف اختلافا كبيرا عن باقي المجتمعات. ولسنا وحدنا من يعاني من ذلك، حيث تداخلت الاشياء واضطربت المؤسسات، ثم ليمتد الضرر المدارس والاسر، من خلال فصل الفرد عن الأسرة، وخلق واقع افتراضي يحرك محتوى الفرد الانتمائي، ليلغي الهوية الدينية والوطنية، ويذهب ابعد من ذلك، من خلال دمج اللغات وإشباع الذهن بصور ومعطيات تفقد العقل عنصر المفاجأة والاكتشاف، وتحجب طرق التعليم والبحث المنطقي السليم، ما ينشئ مجتمعا ذا سلوك مضطرب بعيد عن هويته الشخصية او العرقية، ليكون عائما على واقع افتراضي غير ممكن التحقيق.

   هذه ليست دعوة لإلغاء طرق التواصل، بل لتهذيبها وتحجيم المضر منها، وهذا لا يتحقق ألا بالتعاون بين الدولة ومؤسساتها ذات الصلة. والمجتمع كما قلنا في بداية الكلام ان الكلمة تخرق السكون، ومجموعة الكلمات تبدد الصمت، وبالأفكار نخلق واقعنا، وللكلمة مسؤولية كبرى في بناء الفرد في المجتمع، كما ذكر في كتاب الله العزيز (وما يلفظ من قول الا عليه رقيب عتيد) ومن باب التذكير فان القران الكريم اخبر الانسان عن مثل تلك الحالات فقال عز من قائل (يا ايها الناس ان بغيكم على انفسكم) وحذر من اتباع الاخر دون ادراك، ونبه على حالة العدوة في المجتمع، حيث قال الله تعالى (ماضركم اذ ظلوا ان اهتديتم).

  ان اختيار اي فرد لتحمل المسؤولية هو تحدٍ كبير له، ولمن اختاره في تحقيق الغاية المنشودة في حالة مراعات القدرة والقابلية فأن ذلك يقلل من الحيود بين التطبيق والنظرية. كما ان تشخيص النتائج الغير مرغوب بها (Random results) في النظام الاجتماعي هو دليل على وعي علماء الاجتماع واحاطتهم بذلك النظام، وتعتبر تلك النتائج مؤشرات مهمه لتحديد الخلل وتشخيص طرق العلاج.

*أحداث القصة واقعية


الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha