خزانات المياه والسدود في وادي الرافدين.. مهارات وإبداع فني/ الجزء الأول

بواسطة عدد القراءات : 27908
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
خزانات المياه والسدود في وادي الرافدين.. مهارات وإبداع فني/ الجزء الأول

  إن من أهم الأمور المتميزة في عكس مقدار التطور والرقي في مجال المياه وسبل استغلالها هي بناء السدود وخزانات المياه، فهي تحتاج إلى إمكانات فنية كبيرة تتناسب وحجم المشروع المنفذ، وقد تميزت فيها شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنذ قديم الزمان، أي لفترة تعود لأكثر من عشرة آلاف سنة وخصوصاً في منطقة تل الصوان وديالي في وسط بلاد الرافدين، إلا أن هذه السدود والخزانات تباينت في حجمها ومقدار استيعابها للمياه وأهميتها على اختلاف مناطقها، لكن شعب بلاد الرافدين بقي الأكثر تميزاً في هذا المجال على جميع شعوب المعمورة في تلك الحقبة الزمنية.

د. صالح العطوان الحيالي

 وقد جاء ذكر السدود وخزانات المياه في القرآن الكريم، وتم تحديد اسم أهمها في مأرب (اليمن) وهو سد العرم الذي جاء ذكره في الكتاب العزيز ليعبر عن أحد الإنجازات العظيمة التي أقامها الإنسان على الأرض، وعلى الرغم من ذلك لم يتمكن الإنسان في المحافظة عليه بعد أن نسي ذكر اللّه والتفكر بعظمته.

السدود وخزانات المياه قبل الميلاد

  هناك الكثير من المؤشرات والإشارات إلى إمكانات بناء السدود وخزانات المياه منذ آلاف السنين قبل الميلاد إلا أنها لم تكن بالحجم والأهمية الكبيرة في تلك الفترة، لذلك نجد أن الحفريات الآثارية تؤكد أن السدود وخزانات المياه الكبيرة التي على قدر كبير من الأهمية بدأت مع بداية الألفية الخامسة، حيث بدأ الإبداع التقني في بناء السدود وخزانات المياه في هذه الألفية قبل الميلاد، علما أن المصادر لم تشر إلى سدود خزانات مياه في أرض المعمورة كما هي عليه في بلاد الرافدين، وخصوصاً في زمن سلالة لجش (لكش) في جنوب بلاد الرافدين فقد أقا م الملك "أيا ناتوم" أهم هذه المشاريع، ومن ثم حفر قناة يسيطر عليها سد يقع على خزان بلغ استيعابه من المياه نحو 17 مليون غالون من الماء مستخدما في بنائه مواد رابطة (لملايين عدة من الطابوق المشوي) المقاوم للمياه والرطوبة فتؤمن صلابته ومقاومته لعوادي الزمن، وأن هذه المادة هي"القير" الذي كان يجلب من شمال بلاد الرافدين قرب الموصل حالياً،ومن غرب بلاد الرافدين عند مدينة هيت حاليا، وكلتا المنطقتين معروفتان بوجود "القير" فيها منذ آلاف السنين، وقد بلغ مجموع الكميات المستخدمة من القير في بناء السد نحو 259 مترا مكعباً ، ولعل هذه الفترة شهدت بداية تكوُّن الأهوار في جنوب العراق بعد أن أقاموا هناك خزانا للمياه.

ولأسباب غير معروفة انهار السد الذي كان مقاما عليه ففقدوا السيطرة على المياه المتدفقة إليه لتتكون بدايات الأهوار هناك وخصوصاً أن هناك الكثير من النقوش السومرية والبابلية توضح عمليات صيد الأسماك في مناطق الأهوار مستخدمين الزوارق المصنوعة من القصب، والقفف المصنوعة من أوراق النخيل وأعواد الصفصاف، ولعلهم كانوا يستعملون "القير" أيضاً في طلاء هذه الوسائل لحمايتها من تسرب المياه إليها، وأن هذه الوسائل ظلت مستخدمة في العراق حتى وقت قريب، فقد شاهدت القفف المصنوعة من أوراق النخيل وعيدان الصفصاف والمطلية " بالقار" في بغداد وما جاورها من المدن والبلدات خلال السبعينيات من القرن العشرين الميلادي.

كما حفر الملك " أنتميتا" من سلالة لجش أيضا- قناة طولها 140 كيلو مترا لنقل المياه من نهر دجلة، ثم أقام عليها سدا استخدم فيه نحو ثمانية ملايين طابوقة مشوية ونحو 265 متراً مكعباً من "القير" .

أما في الألفية الرابعة قبل الميلاد أقيم أضخم مشروع إروائي في بلاد الرافدين حتى يومنا الحاضر وهو مشروع النهروان حيث كان يعتقد خطأ أنه يعود لفترة ما قبل الإسلام ، لقد كان هذا المشروع يتكون من قناة لنقل المياه طولها عشرات من الكيلو مترات أقيم عليها سد يؤدي إلى خزان ضخم يتسع لعشرات الملايين من الأمتار المكعبة لتخزين المياه وتوزيعها على الأراضي الزراعية التي تنتشر إلى مسافات شاسعة لغرض ري المزروعات خلال أوقات شحة المياه أو في المواسم التي لا تسقط فيها الأمطار.

وفي الألفية الثالثة تم تنفيذ مشاريع إروائية عدة في بلاد الرافدين، أهمها المشروع الذي أقامه ملك بلاد الرافدين البابلي خلال القرن الثالث من الألفية الثانية، ويتكون من قناة حُفرت، وقد تجاوز طولها عشرات من الكيلو مترات بين مدينتي "أريدو وأور" سماها عطاء الشعب، وأقام عليها سدا لتنظيم أنسياب المياه وتوزيعها على مجموعة من مئات القرى تتبع عددا من المدن المهمة التي تتوافر فيها مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية . كما تمكن البابليون من ضبط فيضان نهر الفرات بإقامة السدود عليه مع استخدام منخفض "الحبانية وأبي دبس" لتصريف مياه النهر خلال مواسم الفيضانات، وفي الوقت عينه استخدم هذان المنخفضان كخزانين لمياه النهر خلال مواسم الفيضانات، كما استخدم هذان المنخفضان كخزانين للمياه. أما على نهر دجلة فقد أقام الآشوريون أضخم سد هو سد "نمرود" الذي أقيم في رأس الدلتا لتموين حوض"الناروان" ويعتقد اسمه النهروان حاليا- والواقع في الجانب الأيسر من النهر، وكذلك لتموين جدولين يعرفان في الوقت الحاضر باسم "الدجيل والإسحاق" في جانبه الأيمن، وهذا يؤكد أن هذاالمشروع قد تم إحياؤه على فترات زمنية مختلفة على مر العصور، وبخاصة أيام الحكم العباسي، حيث استخدمت هذه التسميات منذ العصر العباسي، وسنوضح ذلك لاحقا.

أما الألفية الأولى قبل الميلاد فقد تميزت بانتشار السدود وخزانات المياه الضخمة وتعددها في بلاد الرافدين، وأهمها ما أقامه الملك "سنحاريب" في شمال البلاد، حيث حفرت قناة يبلغ طولها نحو 70 كيلو متر لتوصل المياه من المناطق الجبلية إلى مدينة "نينوي" ومزارعها، وأقام عليها سدا لينظم مياه القناة والسيطرة عليها،وقد استخدم في هذا السد نحو مليوني حجر مكعبة الشكل، طول ضلع الواحدة منها نصف متر، وتزن الواحدة ربع طن . كما قام الملك بحفر قنوات ذات سعات متباينة لجلب مياه العيون والأمطار من الجبال إلى مدينة "أربيل" التي مازال اسمها يعرف باسم "أربيل" ولعل اسمها كان أيام العهد البابلي والآشوري "أربلا وأربل" وهي مدينة أقيمت على أطلال قلعة بنيت لأغراض عسكرية في بادىء الأمر أيام الحكم البابلي ثم زادوا تحصيناتها ووسعوها أيام الحكم الآشوري أو ربما قبل ذلك، ومن ثم أصبحت مدينة عامرة منذ أيام الحكم العباسي وحتى يومنا هذا إلا أن مساحتها تضاعفت أكثر، ولابد أنه في عهد "سنحاريب" تم بناء سدود على كل قناة يتناسب وحجم القناة ليؤدي إلى خزان لجمع تلك المياه الواردة من القنوات المختلفة سالفة الذكر. وخلال فترة حكم "نبوخذ نصر" في وسط بلاد الرافدين أقام مشاريع إروائية عدة، منها السد الذي أقامه على نهر دجلة (عند جانب الكرخ من بغداد حاليا، ومازالت بقاياه موجودة في الموقع عينه حتى الآن)، ولعل هذا السد الذي كان قائما هناك قبل عهد"نبو خذ نصر"قام على صيانته وترميمه الملك المذكور، وذلك لتحويل جزء من مياه النهر إلى قناة تقع على الجانب الغربي منه، حيث المساحات الزراعية الشاسعة،كما شق نهراً سمي نهر "ملكا" ولعلهم يقصدون نهر الملك، وأقاموا عليه سدا له بوابات تتحكم في مرور المياه وتوزيعها، وتؤدي إلى خزان ضخم للمياه قدر محيطه بنحو أربعين فرسخا أي ما يعادل نحو 200 كيلو متر، وبعمق 35 متراً .

السدود وخزانات المياه قبل الإسلام (بعد الميلاد)

  إن الآثاريين أكدوا وجود الكثير من خزانات المياه مثل منخفض "الثرثار والحبانية والرزازة وساوة وبحر النجف"، وقد استخدمت هذه كخزانات للمياه في عهود مختلفة من الزمن، إلا أن المصادر لم تساعدنا في تحديد الفترات الزمنية التي نفذت خلالها هذه الأعمال بدقة، وكذلك نسب بعض "منخفض الثرثار" مثلا إلى فترة حكم الحضر في بلاد الرافدين ، ولكننا لم نتمكن من التأكد من صحة هذه المعلومات لضعف الأدلة التي أشاروا إليها، فإنه من الممكن أن تعود هذه المنجزات إلى فترات زمنية أقدم، ثم أعيد ترميمها وصيانتها خلال فترات زمنية لاحقة، كما ذكرت بعض المصادر أن أهل الحيرة في بلاد الرافدين استغلوا منخفض بحر النجف في إقامة مشاريع إروائية لتخزين المياه، إلا أنها غير واضحة المعالم والتفاصيل، ولعل أهل الرافدين استخدموا هذا المنخفض لتخزين المياه بغية الاستفادة منها عند شحة المياه، أو لاستخدامها في غير مواسم الأمطار قبل هذه الفترة الزمنية بكثير، أي منذ فترات ربما تعود إلى الفترة البابلية المتأخرة. ولعل هذه الفترة شهدت تكَّون الأهوار بمساحاتها الشاسعة حاليا في جنوب العراق نتيجة الفيضانات المتتالية على مر السنين، بعد أن انهارت الكثير من المشاريع الإروائية والسدود المقامة على خزانات المياه هناك.

 مثل هذه الأعمال لم تكن مقتصرة على أهل بلاد الرافدين فقط في تلك الفترات الزمنية، ومن ثم نجد أن عرب الجزيرة قاموا بمشاريعمهمة في التخزين والسيطرة على مياه الينابيع المنبثقة من سطح الأرض والآبار الغنية بالمياه الجوفية وحسن استغلالها داخل صهاريج صخرية وكهوف تحت سطح الأرض، من دون أن تتعرض لتأثيرات أشعة الشمس وحركة الرياح، وفي الوقت عينه لا ندري كيف كانوا يحافظون على هذه المياه من العفونة والتلوث، وهي ما زالت شاخصة للعيان وخصوصاً في منطقة "كندة" في شمال الجزيرة العربية، وتدمر في بادية سوريا، والبتراء في بادية الأردن، والأغوار والنقب في جنوب فلسطين ومنطقة الحميريين في اليمن. وقد أثبتت الاستكشافات الحديثة في جنوب الجزيرة العربية في حضرموت وأرض عاد (منطقة الربع الخالي) أنهم استخدموا في هذه المناطق الصهاريج الصخرية تحت الأرض أيضا لتخزين المياه، ولعلهم استخدموا الأفلاج لسقاية مدنهم وبلداتهم لري مزروعاتهم أيضا.

  وهنا يجب ألا يغيب عن بالنا ما قام به أهل "سبأ" من منجزات في هذا المجال وبخاصة إنجاز ملكهم "المركب يشع" الذي حفر الكثير من قنوات المياه، وأنشأ السدود التي أقامها عليها، وأهمها "سد مقران" الذي أوصل المياه عبر قناة إلى منطقة "أبين" و"سد" و "يثعان" وغيرها، وأهم هذه السدود سد "مأرب" وهو موجود في وادي "ذنه" الذي تقع مدينة مأرب عند حافته الشمالية، حيث يقع بالقرب منها جبل "بلق" الذي يشقه وادي "ذنه" إلى نصفين هما "بلق" الأيمن و"بلق" الأيسر، فأقام "المأربيون" سداً عظيماً في مقدم الوادي لحجز مياه السيول الواردة من أعالي الجبال المحيطة بالوادي المؤدي إلى منخفض عظيم، حيث استخدم لتخزين المياه خلال موسم الأمطار ، ثم تهدم هذا السد بسب السيول العظيمة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم باسم سيل "العرم"، ولعل تراكم الطمي في منخفضه مع تصدع السد على مر السنين التي تجاوزت قروناً عدة، حيث كان الملوك العرب قديما يعملون على صيانته وترميمه وتعليته، ولعل آخرهم ملوك اليمن "شرحبيل يعفر" الذي حكم اليمن خلال القرن الخامس الميلادي أهمل جميع هذه الأمور وغيرها ما أضعف السد، وأدى إلى انهياره.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
الأكثر شعبية