في انتظار كافكا..!

بواسطة عدد القراءات : 320
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
في انتظار كافكا..!

 

د. مظهر محمد صالح

 

في فناء القصر الملكي المرعب، انطلقت حالة اللاوعي في دواخلي وبدأت تتحرك في اللاشيء تحت لهيب الشمس المحرقة التي لم تدرك حرارتها، ولكنها على الرغم من ذلك استطاعت أن تدرك في ثنايا رحلتها وهي تعشق غيبوبتها، ان ثمة ظهيرة خرساء تسكن في نسيان من الظلام في هذه الباحة من القصر المخيف .كان اليوم هو السادس من ايلول من العام 1971 وفي باحة ذلك القصر الذي سمي بقصر النهاية، عدت الى حالة الوعي وأنا لا أمسك بشيء سوى لجام من الرعب يقاوم سعيٍي في البحث عن قطرات ماء كي أطفئ بها عطشي وأسدّ فيها رمقي الذي غدا هو الآخر كورق شائط. تطلعت الى السجّان الذي سيقودني لا محالة الى ثكنة التحقيق الاديولوجي، ومرارات عطشي قد بلغت الزبى ويطاردني الإحساس انهم سيحكمون عليّ بالموت غرقاً! فأشار السجان بابهام أخرس الى صنبور مجاور يقطٌر ماءً ساخناً ليبتل بها لساني الذي غاب عنه النطق. انفتحت في تلك اللحظة بوابة سوداء شديدة الحراسة وهي الإشارة التي اصطحبني السجان من خلالها الى دهاليز التحقيق وهو يكيل الهمس المخيف مع جلاديه، وشعرت هنا من فوري ان سُحب المكائد قد انعقدت وأنها بدأت تحاصرني لا محالة من جميع الجهات، فتهاويت بلا حول ولا قوة، وحلّ بي الوهن ولكن ظلت ثقتي بنفسي متحجرة لم تتزعزع على الرغم من تداعي قوتي وتقوض اركاني. فليس للأشرار من عدة ترهبني سوى العصي والسلاح الناري.

قال لي ضابط التحقيق بعد جلسة طويلة، إننا أمام تجارة هي الاعتراف، فالربح للطرفين والخسارة تتحملها بمفردك. وأعتقد أيها الشاب، أن المقعد الذي تجلس عليه قد خسر فيه الكثير من الساسة والكُتاب والصحفيين! ثم طرح امامي على الطاولة ورقة بيضاء لأكتب عليها أي شيء لا أعرفه..! تناول مني تلك الورقة وهو يتطلع فيها بعمق وأطلق ضحكة صفراء بعد ان استهوته عبارة: هنا مربط الفرس..! والتي أخذ يكرر قراءتها بصوت مرتفع.

انتهيت في الزنزانة 27 الانفرادية وهي المحجر المظلم الذي أتاح لي الاستماع الى حفلات التعذيب اليومية المسائية. فزنزانتي التي شيدت في العام 1970 مع بقية المحاجر الانفرادية قد جرى إعمارها على أرض ملعب التنس أو الملعب الرياضي للعائلة المالكة العراقية في قصر الرحاب أو النهاية. انعقدت أول حفلة تعذيب أمام زنزانتي في ليلتي الأولى ولم أستطع جمع أنفاسي في ذلك الظلام الدامس فبدأت أبحث عن اللاوعي كي أهرب إليه ولم أستطع إيجاد درج للهروب لشدة البكاء وتعالي أصوات المعذبين الذين جرى صلبهم على تلك السلالم. استطعت أن أغلق أذنيّ بفتات الخبز الذي تدافعت عليه بحثاً وأنا اُقاوم فصيلا من النمل المنظم قوي الشكيمة استوطن في محجري. واستشعرت بألا أجعل الحياة عبئاً عليَّ وينبغي أن أتحول حالاً! ولكن ربما تحولت الى شيء صغير، هو أصغر من النمل (أي بشر منمل) ولكن صفوف النمل في ذلك المحجر أمست أمام حالتي المتهاوية، قوى عملاقة هي أكبر من شيء اسمه البشر.

استذكرت حينها الكاتب الروائي فرانز كافكا في روايته الكوميدية المرعبة: التحول، يوم تبدل البائع المتجول كريكور سامسا الذي كان يعيش مع والديه واخته، الى صرصر ضخم وكيف انه عاش أقصى حالات الاغتراب والعزلة المقيتة حتى قضى نحبه!

وهكذا ففي محاجر التعذيب أصبحت أكثر قدرة على التبدل.! فبين فصيل النمل الذي تبدل الى بشر في القدرة والوعي والغطرسة وبين تحولي الى نملة ضئيلة تستمع الى شدة الفزع وتقاوم الرعب الذي تطلقه أصوات المعذبين وبحرية عالية في حفلات التعذيب وهي مستمرة في البحث عن فتات الخبز لتغلق به المسامع في عالم من اللا آدمية!، قلت في سري، إن وجودي في عالم المعذبين شيء لا يمكن مقاومته إلا (بالتنمل البشري) والبحث عن فتات الخبز بحرية واسعة.

خرجت يومها من بوابات قصر النهاية ضمن أعاجيب الدنيا السبعة وبيقين واحد بأن الجلاد هو إنسان يتبدل الى وحش كاسر في حفلة التعذيب حتى تكتمل الأطراف الثلاثة في رواية كافكا: التحول.. ولكن التحول او التبدل في هذه المرة سيطال: الضحية والنملة والجلاد في محاجر وزنزانات قصر مرعب اسمه النهاية!

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha