.. ج/ 1شجاعة الامام زين العابدين (ع) تقتلع النصر من عروش بني أمية

عدد القراءات : 447
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
.. ج/ 1شجاعة الامام زين العابدين (ع) تقتلع النصر من عروش بني أمية

خضير العواد

لقد أظهر الإمام السجاد (عليه السلام) أروع وأبهى الدروس في الشجاعة والصبر ، ولم يخبرنا التاريخ بشخصية وحيدة ليس لها ناصر ولا معين تجابه الطغاة المجرمين وهم جالسون على عروشهم وبين حرسهم ووزرائهم وقادتهم وفي قصورهم كما واجه الإمام السجاد عليه السلام عبيد الله بن زياد في الكوفة ويزيد بن معاوية في الشام ، فلم يترك الإمام زين العابدين عليه السلام موقفاً إلا ونقش عليه أكمل السجايا الربانية التي تبين حقيقة ما جرى في كربلاء وإرشاد الأمة الى طريق الحق التي ضلت عنه ، فقد شاءت قدرة الله سبحانه وتعالى ان تحافظ على الحلقة المهمة من حلقات الرسالة المحمدية والتي بدونها تتوقف رسالة الإمامة ومن ثم الإسلام (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (1)

وأن تحيط بالإمام السجاد عليه السلام الرعايا الربانية وتغلفه بمرض قد أعطاه العذر الشرعي وأقعده عن القتال مع أبيه الإمام الحسين عليه السلام قال الله سبحانه وتعالى (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم) ..( 2) 

وعلى الرغم من هذا فأن الإمام علي بن الحسين عليه السلام قد قام متكأ على عصى من أجل القتال بين يدي إمامه وسيده الإمام الحسين عليه السلام ، فقد روى الخوارزمي صاحب المقتل (فخرج علي بن الحسين (عليه السلام) وهو زين العابدين وكان مريضاً لا يقدر على حمل السيف : وأم كلثوم تنادي خلفه : يا بني أرجع فقال ، يا عمتاه ذريني اقاتل بين يدي أبن رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال الحسين (عليه السلام) : يا أم كلثوم خذيه ورديه لا تبق الأرض خالية من نسل محمد (صلى الله عليه واله)( 3)

فلم يقعده المرض ولم يثبط عزيمته وشجاعته في مواجهة الآلاف من القتلة المجرمين على الرغم من ضعف البدن وانهيار القوى وهذا جميعه ضمن المشيئة الإلهية التي رعت وحفظة الإمام الأوحد من نسل الإمام الحسين عليه السلام والذي سيكون من صلبه جميع الأئمة عليهم السلام ، فكان المريض هو القائد المسيطر على أحزن أجواء يمر بها قائد بعد معركة قد فقد فيها كل ما يملك من أب هو سيد شباب أهل الجنة ومن عم قد خجل من عطائه وفضله وكرمه حاتم الطائي ومن أخ كان شبيهاً خَلقاً وخُلقاً لرسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ومن أعمام وأقارب وأصحاب لم يعرف لهم مثيل ، فقد أحاط بالإمام السجاد عليه السلام وهو العليل جيوش بني أمية المتوحشة ولم يضعف أو يقلق أو يخاف بل كان صلب شجاع وأعطى أروع القرارات عندما سألته عمته الصديقة الصغرى السيدة زينب عليه السلام  بعد مقتل سيد الشهداء عليه السلام يا ابن أخي ماذا نفعل قال عليكم بالفرار الى البرية حتى لا يقتل الأطفال والنساء بحوافر الخيل وبالفعل لقد حافظ الإمام السجاد عليه السلام على أطفال أبيه عليه السلام ونسائه وبمن ألتحق بهم من أطفال و نساء بني هاشم والأصحاب.

وعندما دخل الركب المحمدي الكوفة وتجمع الناس لرؤية الأسرى من بني هاشم لم يترك الإمام السجاد عليه السلام هذا الموقف بدون أن يترك فيه كلماته النورانية الربانية الشجاعة التي تؤنب الجموع المتخاذلة الخائنة وحتى يبقى درساً لكل الأحرار في العالم وهو محاط بترسانة السلاح الأموي الذي ينضح من دماء العترة الطاهرة (وخرج الى الناس وأومأ إليهم أن اسكتوا ، فسكتوا وهو قائم فحمد الله واثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال في بداية الخطبة : ايها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب أنا أبن من انتهكت حرمته وسلبت نعمته وأنتهب ماله وسبي عياله أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير نحل ولا تراث أنا أبن من قتل صبرا وكفى بذلك فخرا (4) 

أيها الناس ناشدتكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم الى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهود والمواثيق والبيعة وقاتلتموه فتباً لما قدمتم لأنفسكم وسوءة لرأيكم ، بأية عين تنظرون الى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) إذ يقول لكم قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي ، رحم الله إمرأً قبل نصيحتي وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وفي أهل بيته فإن لنا في رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) اسوة حسنة ، فصمتوا وهم يستمعون الى هذا القول ثم قالوا " نحن يا بن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك يرحمك الله ، فأنا حرب لحربك وسلم لسلمك نبرأ ممن ظلمك وظلمنا _ فأجابهم الامام علي السجاد عليه السلام " هيهات هيهات ، ايها الغدرة المكرة حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم ، أتريدون أن تأتوا الي كما أتيتم الى أبي من قبل ، كلا ورب الراقصات ، فإن الجرح لما يندمل قتل أبي بالأمس وأهل بيته ولم ينس ثكل رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم) وثكل أبي ، وبني أبي إن وجده والله بين لهاتي ومرارته بين حناجري وحلقي ، وغصص تجري في فراش صدري) (5)

بهذه الكلمات النورانية الربانية الشجاعة ابتدأ الإمام السجاد عليه السلام الجزء الثاني من المعركة فقد أوضح كل ما جرى في كربلاء وأعطى أهل الكوفة أروع الدروس والعبر والوعظ وحمَّلهم مسؤولية قتل الإمام الحسين عليه السلام لخيانتهم له بعد أن كتبوا الرسائل وقدموا العهود والولاء وحمّلَ السلطة الحاكمة هذه الجريمة النكراء من قتل وسبي وسلب الأموال وحرق بيوت آل الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)  بل وأخرجهم من الإسلام عندما أخبرهم بقول رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) لهم  قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي بل حول مواقفهم وأعادهم الى أنفسهم وجعلهم متحيرين باكين يريدون الثورة على من دفعهم الى هذه الجريمة النكراء ، اي بعد ساعات قليلة من واقعة كربلاء الأليمة غير الموقف الإمام زين العابدين عليه السلام وجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون على ما اقترفته ايديهم من إجرام ، وهذا كله جرى في مدينة يسيطر عليها المجرم عبيد الله بن زياد المحاط بجيشه المتوحش الذي سُلبت الرحمة من قلوبهم.

وبعد هذا الموقف وتغير الشارع الكوفي من قبل الإمام السجاد عليه السلام كان الموقف الشجاع مع المجرم عبيد الله بن زياد في قصره وبين حاشيته وحراسه الذي أراد ان يذل بيت الرسالة ولكن موقف الإمام السجاد عليه السلام قد صفع المجرم عبيد الله بن زياد صفعة وصل صداها الى آخر الزمان ، ( فقال ابن زياد لزينب عليها السلام : الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم فقالت زينب (عليها السلام) الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (صلى الله عليه واله) وطهرنا من الرجس تطهيرا ، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو أنت يا عدو الله وعدو رسوله فقال لها : كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين وأهل بيته ؟ فقالت أن الله كتب عليهم القتال فتبادروا أمر ربهم وبرزوا الى مضاجعهم فقاتلوا ثم قتلوا في الله وفي سبيل الله وسيجمع الله بينك وبينهم وتتحاجون وتتخاصمون عند الله وإن لك موقفاً فاستعد للمسألة جوابا إذا كان القاضي الله والخصم جدي رسول الله (صلى الله عليه واله) والسجن جهنم ، فقال علي بن الحسين (عليه السلام) لأبن زياد : قطع الله يديك وأيبس رجليك يا بن زياد الى كم تكلم عمتي تتعرضها بين من يعرفها ومن لا يعرفها فغضب أبن زياد وأمر بضرب عنقه فمنعه القوم (6 )

وفي رواية ثانية عندما هدد أبن زياد الإمام السجاد عليه السلام وأنقذته عمته زينب عليها السلام  ( أن عليا بن الحسين عليهما السلام قال لعمته أسكتي يا عمه حتى أكلمه ثم أقبل عليه فقال أبالقتل تهددني يا ابن زياد أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة )( 7).

فقد لاحظنا أن الإمام السجاد عليه السلام والسيدة زينب عليها السلام قد غيروا الشارع الكوفي ونقلوا له الصورة الحقيقية عن واقعة الطف الأليمة ، ولكن هذا الوضوح عن ما جرى في الكوفة لم نلاحظه في طريقهم من الكوفة الى الشام ، فهذا الطريق مغطى بغمامة لم يقشعها المؤرخون أو الكتاب لذا بقية الضبابية عما جرى في هذا الطريق الطويل ، ولكن هناك صورتان قد تعطيانا عما جرى في هذا المسير ، الصورة الأولى كانت في الكوفة وعرفنا التأثير الكبير للإمام السجاد عليه السلام وعمته الصديقة الكبرى زينب عليها السلام والصورة الثانية عندما دخل ركب السبايا الى مدينة دمشق لا حظنا الشاميين يحمدون الله على نصره لأميرهم يزيد على الخوارج ؟؟؟؟(عندما دخلت السبايا الشام دنا شيخ كبير من نساء الحسين وعياله وهم مقيمون على درج باب المسجد ، فقال الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنين منكم وهنا تصدى له الإمام زيا العابدين ليبين له الحقيقة ، فقال يا شيخ هل قرأت القرآن ؟ قال : نعم ، فقال له : هل قرأت هذه الآية (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) قال الشيخ : قد قرأت ذلك فقال له الإمام عليه السلام فنحن القربى ، وأستمر له الإمام زين العابدين يذكر له الآيات التي نزلت في حقهم ثم رفع الشيخ رأسه الى السماء وقال اللهم إني أبرأ إليك من عدو آل محمد من جن وأنس ، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقتل )(8) 

قد أعطتنا هاتين الصورتين الدور الكبير الذي قام به الإمام زين العابدين عليه السلام في نشر الوعي وتعريف الناس بالحقيقة على الرغم أن هاتين الصورتين قد حدثا في مدينتين معبئتين بالجيش التابع للسلطة الحاكمة الأولى يسيطر عليها عبيد الله بن زياد والثانية عاصمة الدولة الأموية ومسيطر عليها الطاغية يزيد ولكن الإمام السجاد عليه السلام وعمته الصديقة الصغرى زينب قد قاما بدورهما على أفضل ما يمكن وغيرا الأجواء وشحنا الشارع بالرفض لهذه الجريمة بل الثورة ضد بني أمية ولم يعطيا اي أهمية لجور الحكام وهمجية اتباعهم فما بالك في المدن والقرى البعيدة عن سيطرة حكام ألجور ، هذه المدن الممتدة على طول الطريق الذي سلكه ركب السبايا فمن العقل أن العمل الذي قاما به الإمام السجاد وعمته عليهما السلام سيكون أكثر فعالا وتأثيرا في جموع الناس التي تسكن تلك المدن  والقرى.

_____________________________

(1) سورة الحجر آية 9

(2) سورة التوبة آية 91

(3) مقتل الحسين (ع) – الخوارزمي ج2ص32

(4) اللهوف في قتلى الطفوف- السيد بن طاووس المجلد 1ص116

(5) بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج45ص113

(6) ينابيع المودة لذوي القربى القندوزي   ج3ص87  ص 88

(7) لواعج الأشجان سيد محسن الأمين ص211

(8) بحار الأنوار ج45 ص129

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha